اللهوف في قتلى الطفوف - السيد ابن طاووس الحسني -2-
قال الراوى: وجاء هؤلاء العشرة حتى وفقوا على ابن زيادة فقال: أسيد بن مالك أحد العشرة عليهم لعائن الله. نحن رضضنا الصدر بعد الظهر * بكل يعبوب شديد الاسر فقال ابن زياد: من أنتم ؟ قالوا: نحن الذين وطئنا بخيولنا ظهر الحسين حتى طحنا حناجر صدره، قال: فأمر لهم بجائزة يسيرة. قال أبو عمر الزاهد: فنظرنا إلى هؤلاء العشرة فوجدنا هم جميعا أولاد زناء وهؤلاء أخذهم المختار فشد أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد وأوطأ الخيل ظهور هم حتى هلكوا. وروى ابن رياح قال: رأيت رجلا مكفوفا قد شهد قتل الحسين عليه السلام فسئل عن ذهاب بصره، فقال: كنت شهدت قتله عاشر عشرة غير إنى لم أضرب ولم أرم فلما قتل رجعت إلى منزلي وصليت العشاء الاخيرة ونمت فأتاني آت في منافى فقال أجب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فإنه يدعوك. فقلت مالى وله فأخذ بتلابيبى وجرني إليه فإذا النبي صلى الله عليه واله وسلم جالس في صحراء حاسر عن ذراعيه أخذ بحربة وملك قائم بين يديه وفى يده سيف من نار فقتل
[ 81 ]
أصحابي التسعة، فكلما ضرب ضربة التهبت أنفسهم نارا فد نوت منه، وجثوت بين يديه وقلت السلام عليك يا رسول الله فلم يرد على ومكث طويلا ثم رفع رأسه وقال يا عدو اله إنتهكت حرمتي وقتلت عترتي ولم ترع حقى، وفعلت ما فعلت ؟ فقلت: والله يا رسول الله ما ضربت بسيف ولا طعنت برمح ولارميت بسهم قال صدقت، ولكنك كثرت السواد أذن منى فدنوت منه فإذا طست مملوء دما ! فقال لى: هذا دم ولدى الحسين عليه السلام فكحلني من ذلك الدم فانتهيت حتى الساعة لا أبصر شيئا. وروى عن الصادق عليه السلام يرفعه الى النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال إذا كان يوم القيامة نصب لفاطمة عليها السلام قبة من نور ويقبل الحسين عليه السلام ورأسه في يده فإذا رأته شهقت شهقة لا يبقى في الجمع ملك مقرب ولا نبى مرسل إلا بكى لها فيمثله الله عزوجل لها في أحسن صورة وهو يخاصم قتلته بلا رأس فيجمع الله عزوجل لها قتلته والمجهزين عليه ومن شركهم في قتله فاقتلهم حتى أتى على آخر هم ثم ينشرون فيقتلهم أمير المؤمنين عليه السلام ثم ينشرون فيقتلهم الحسن عليه السلام، ثم ينشرون فيقتلهم الحسين عليه السلام ثم ينشرون فلا يبقى أحد من ذريتنا إلا
[ 82 ]
قتلهم قتلة. فعند ذلك يكشف الغيظ وينسى الحزن. ثم قال قال الصادق عليه السلام: رحم الله شيعتنا هم والله شيعتنا المؤمنون فقد والله شركونا في المصيبة بطول الحزن والحسرة. وعن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنه قال إذا كان يوم القيامة جائت فاطمة عليها السلام في لمة من نسائها فيقال لها أدخلي الجنة، فتقول لا أدخل حتى أعلم ما صنع بولدى من بعدى: فيقال لها أنظرى في قلب القيامة فتنظر إلى الحسين عليه السلام قائما ليس عليه رأس فتصرخ صرخة فأصرخ لصراخها وتصرخ الملائكة لصراخها. وفى رواية: وتنادى واولداه واثمرة فؤاداه، قال فيغضب الله عزوجل لها عند ذلك فيأمر نارا يقال له هب هب، قد أوقد عليها ألف عام حتى أسودت لا يدخلها روح أبدا، ولا يخرج منها غم أبدا فيقال: إلتقطى قتلة الحسين، فتلتقطهم فإذا صاروا في حوصلتها صهلت وصهلوا بها، وشهقت وشهقوا بها، وزفرت وزفروا بها. فينطقون بالسنة ذلقة ناطقة يا ربنا بم أوجبت لنا النار قبل عبدة الاوثان ؟ فيأتيهم الجواب عن الله عزوجل: أن من علم ليس كمن لا يعلم.
[ 83 ]
روى هذين الخبرين ابن بابويه في كتاب عقاب الأعمال، ورأيت في المجلد الثلاثين من تذييل شيخ المحدثين ببغداد محمد بن النجار في ترجمة فاطمة بنت أبى العباس الازدي بإسناده عن طلحة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول إن موسى بن عمران سئل ربه قال: يا رب إن أخى هارن مات فاغفر له. فأوحى الله إليه يا موسى عمران لو سألتنى في الاولين والاخرين لاجبتك ماخلا قاتل الحسين بن على أبى طالب عليهما السلام
[ 84 ]
المسلك الثالث في الامور المتأخرة عن قتله (ع) وهى تمام ما أشرنا إليه قال ثم إن عمر بن سعد بعث برأس الحسين عليه السلام في ذلك اليوم وهو يوم عاشوراء مع خولى بن يزيد الاصبحي، وحميد بن مسلم الازدي إلى عبيد الله بن زياد وأمر برؤوس الباقين من أصحابه وأهل بيته فنظفت وسرح بها مع شمر بن ذى الجوشن (لع) وقيس بن الاشعث، وعمرو بن الحجاج. فاقبلوا حتى قدموا بها إلى الكوفة وأقام بقية يومه واليوم الثاني إلى زوال الشمس ثم رحل بمن تخلف عن عيال الحسين عليه السلام وحمل نسائه صلوات الله عليه على إجلاس أقتاب الجمال بغير وطاء مكشفات الوجوه بين الاعداء وهن ودائع الانبياء وساقوهن كما يساق سبى الترك والروم في أشد المصائب والهموم ولله در قائله: يصلى على المعبوث من آل هاشم * ويعزى بنوه إن ذا العجيب
[ 85 ]
وقال آخر: أتر جوا أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب وروى: إن أصحاب الحسين عليه السلام كانت ثمانية وسبعين رأسا فاقتسمتها القبائل لتقرب بذلك الى عبيد الله بن زياد وإلى يزيد بن معاوية (لع) فجائت كندة بثلاثة عشر رأسا وصاحبهم قيس بن الاشعث. وجاءت هوازن بإثنى عشر رأسا وصاحبهم شمر بن ذى الجوشن (لع) وجاءت تميم بسبعة عشر رأسا، وجاءت بنو أسد بستة عشر رأسا، وجاءت مذحج بسبعة رؤوس، وجاء باقى الناس بثلاثة عشر رأسا. قال الراوى: ولما إنفصل عمر بن سعد (لع) عن كربلاء خرج قوم بنى أسد فصلوا على تلك الجثث الطواهر المرملة بالدماء ودفنوها على ما هي الآن عليه وسار ابن سعد بالسبي المشار إليه فلما قاربوا الكوفة إجتمع أهلها للنظر إليهن. قال الراوى: فأشرفت إمرأة من الكوفيات فقالت من أي الاسارى أنتن نحن أسارى آل محمد صلى الله عليه واله وسلم فنزلت المرأة من سطحها فجمعت لهن ملاء وارزا ومقانع وأعطتهن فتغطين.
[ 86 ]
قال الراوى: وكان مع النساء على بن الحسين عليه السلام قد نهكته العلة والحسن بن الحسن المثنى وكان قد واسى عمه وامامه في الصير على ضرب السيوف وطعن الرماح وإنما أتيت وقد أثخن بالجراح. وروى مصنف كتاب المصابيح ان الحسن بن الحسن المثنى قتل بين يدى عمه الحسين عليه السلام في ذلك اليوم سبعة عشر نفسا وأصابه ثمانية عشر جراحة فوقع فأخذه خاله أسماء بن خارجة فحمله إلى الكوفة وداواه حتى برأ وحمله الى المدينة وكان معهم أيضا زيد وعمر وولدا الحسن السبط عليهم السلام فجعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون. فقال على بن الحسين عليه السلام: تنوحون وتبكون من أجلنا فمن ذا الذى قتلنا. قال بشير بن خزيم الاسدي: ونظرت إلى زينب بنت على يومئذ ولم أر خفرة والله أنطق منها كأنها تفرع من لسان أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا فارتدت الأنفاس وسكنت الاجراس ثم قالت: الحمد الله والصلاة على أبى محمد وآله الطيبين الاخيار. أما بعد: يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر أتبكون فلا
[ 87 ]
رقأت الدفعة ولا هدأت الرنة إنما مثلكم كمثل التى نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا تتخذون إيمانكم دخلا بينكم ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف والصدر الشنف وملق الاماء وغمز الاعداء أو كمرعى على دمنة أو كفضة على ملحودة، ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفى العذاب أنتم خالدون. أتبكون وتنتحبون أي والله فابكون كثيرا واضحكوا قليلا فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداو أنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنة وملاذ حيرتكم ومفزع نازلتكم ومناز حجتكم ومدرة سنتكم ألا ساء ما تزرون وبعدا لكم وسحقا. فلقد خاب السعي وتبت الأيدى وخسرت الصفقة وبؤتم بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة ويلكم يا أهل الكوفة أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم وأى كريمة له أبرزتم وأى دم له سفكتم وأى حرمة له انتهكتم لقد جئتم بها صلعاء عنقاء سوداء فقماء (وفى بعضها) خرقاء شوهاء كطلاع الارض أو كملئ السماء أفعجبتم إن مطرب السماء دما ولعذاب الاخرة أخزى وأنتم لا تنصرون فلا يستخفنكم المهل فإنه لا يحفزه البدار ولا يخاف فوت الثأر وإن ربكم لبالمرصاد. قال الراوى: فوالله لقد رأيت الناس يؤمئذ حيارى
[ 88 ]
يبكون وقد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخا وافقا إلى جنبى يبكى اخضلت لحيته وهو يقول: بأبى أنتم وأمى كهولكم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونسائكم خير النساء ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يبزى. وروى زيد بن موسى قال: حدثنى أبى عن جدى عليهم السلام قال: خطبت فاطمة الصغرى بعد أن وردت من كربلاء فقالت الحمد لله عدد الرمل والحصا وزنة العرش إلى الثرى، أحمده وأومن به وأتوكل عليه وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه واله وسلم وإن أولاده ذبحوا بشط الفرات بغير ذحل ولا ترات اللهم إنى أعوذ بك أن أفترى عليك بالكذب أو أن أقول عليك خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيه على بن أبى طالب عليه السلام المسلوب حقه المقتول من غير ذنب كما قتل ولده بالأمس في بيت من بيوت الله فيه معشر مسلمة بألسنتهم تعسا لرؤوسهم ما دفعت عنه ضيما في حياته ولا عند مماته حتى قبضته إليك محمود النقيبة طيب العريكة معروف المناقب مشهور المذاهب لم تأخذه فيك اللهم لومة لائم ولا عذاب عاذل هديته اللهم للاسلام صغيرا وحمدت مناقبة كبيرا ولم يزل
[ 89 ]
ناصحا ولرسولك صلى الله عليه واله وسلم حتى قبضته إليك زاهدا في الدنيا غير حريص عليها راغبا في الاخر مجاهدات لك في سبيلك رضيته فاخترته فهديته إلى صراط مستقيم. أما بعد. يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، فإنا أهل بيت، إبتلانا الله بكم وابتلاكم بنا فجعل بلائنا حسنا وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا فنحن عيبة علمه ووعاء فهمه وحكمته وحجته على الارض في بلاده لعباده أكرمنا الله بكرامته وفضلنا بنبيه محمد صلى الله عليه واله وسلم على كثير ممن خلق تفضيلا بينا فكذبتمونا وكفرتمونا ورأيتم قتالنا حلالا وأموالنا نهبا كأننا أولاد ترك وكابل كما قتلتم جدنا بالأمس وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم قرت لذلك عيونكم وفرحت قلوبكم على افتراء الله ومكرا مكرتم والله خير الماكرين فلا تدعونكم انفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا ونالت أيديكم من أموالنا فإن ما أصابنا من المصائب من الجليلة والرزايا العظمية في كتاب من قبل أن نبرئها إن ذلك على الله يسير لا يحب كل مختال فخور، تبا لكم فانتظروا اللعنة والعذاب. فكان قد حل بكم وتواترت من السماء نقمان فيسحتكم
[ 90 ]
بعذاب ويذيق بعضكم بأس بعض، ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا ألا لعنة الله على الظالمين ويلكم أتدرون أية يد طاعنتنا منكم وأيه نفس نزعت إلى قتالنا أم بأية رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا والله قست قلوبكم وغلظت أكبادكم وطبع على أفئدتكم وختم على سمعكم وبصر كم وسول لكم الشيطان وأملى لكم وجعل على بصركم عشاوة فأنتم لا تهتدون فتبا لكم يا أهل الكوفة، أي تراث لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم قبلكم ودخول له لديكم بما غدرتم بأخيه على بن أبى طالب، جدى وببنيه وعترته الطيبين الاخيار فاقتخر بذلك مفتخر فقال: نحن قتلنا عليا وبنى على * بسيوف هندية ورماح وسبينا نسائهم سبى ترك * ونطحناهم فأى نطاح بفيك أيها القائل الكثكث والاثلب إفتخرت بقتل قوم زكاهم الله وطهر هم الله وأذهب عنهم الرجس، فاكظم وأقع كما أقعى أبوك قائما لكل امرئ ما كسب وما قدمت يداه أحسدتمونا - ويلكم - على ما فضلنا الله. فما ذنبنا إن جاش دهرا بحورنا * وبحرك ساج ما يوارى الدعا مصا ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
[ 91 ]
قال: فارتفعت الاصوات بالبكاء والنحيب وقالوا حسبك يا أبنة الطيبين فقد أحرقت قلوبنا وأنضجت نحورها وأضرمت أجوافنا فسكتت. قال: وخطبت أم كلثوم بنت على عليه السلام في ذلك اليوم من وراء كلتها رافعة صوتها بالبكاء، فقالت: يا أهل الكوفة سوأة لكم ما لكم خذلتم حسينا وقتلتموه وأنتهبتم أمواله وورثتموه وسببتم نسائه ونكبتموه، فتبا لكم وسحقا، ويلكم أتدرون أي دواه دهتكم وأى وزر على ظهور كم حملتم وأى دماء سفكتموها وأى كريمة أصبتموها وأى صيبة سبلتموها وأى أموال إنتهبتموها. قتلتم خير رجالات بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم ونزعت الرحمة من قلوبكم ألا إن حزب الله هم الفائزون وحزب الشيطان هم الخاسرون، ثم قالت: قتلتم أخى صبرا فويل لا مكم * ستجزون نارا حرها يتوقد سفكتم دماء حرم الله سفكها * وحرمها القرآن ثم محمد ألا فابشروا بالنار إنكم غدا * لفى سقر حقا يقينا تخلدوا وإنى لأبكى في حياتي على أخى * على خير من بعد النبي سيولد بدمع عزيز مستهل مكفكف * على الخدمنى دائما ليس يحمد قال الراوى: فضج الناس بالبكاء والنوح ونشر النساء شعور هن ووضعن التراب على رؤوسهن وخمشن
[ 92 ]
وجوههن وضربن خدود هن ودعون بالويل والثبور وبكى الرجال ونتفوا لحاهم فلم ير باكية أكثر من ذلك اليوم. ثم إن زين العابدين عليه السلام أوما إلى الناس أن اسكتوا فسكتوا، فقام قائما فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي صلى الله عليه واله وسلم ثم صلى عليه ثم قال أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسى أنا على بن الحسين بن على بن أبى طالب عليهم السلام أنا ابن من إنتهكت حرمته وسلبت نعمته وإنتهب ماله وسبى عياله، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات أنا ابن من قتل صبرا، وكفى بذلك فخرا، أيها الناس فأنشدكم الله هل تعلمون إنكم كتبتم إلى أبى وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه فتبا لما قدمتم لأنفسكم وسوءة لرأيكم بأية عين تنظرون إلى رسول الله صلى الله عليه اله وسلم إذ يقول لكم قتلتم عترتي وإنتهكتم حرمتي فلستم من امتى. قال الراوى فارتفعت الاصوات من كل ناحية ويقول بعضهم لبعض هلكتم وما تعلمون فقال عليه السلام رحم الله إمرءا قبل نصيحتي وحفظ وصيتى في الله وفى رسوله وأهل بيته فإن لنا في رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أسوة حسنة فقالوا: بأجمعهم نحن كلنا يا ابن رسول الله سامعون
[ 93 ]
مطيعون خافظون لذمامك زاهدين فيك وراغبين عنك فمرنا بأمرك يرحمك الله فإنا حرب لحربك وسلم لسلمك لنأخذن يزيد لعنه الله ونبرأ ممن ظلمك فقال عليه السلام هيهات هيهات أيها الغدرة المكرة حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم أتريدون أن تأتوا إلى كما آتيتم آبائى من قبل كلا ورب الراقصات فإن الجرح لما يندمل قتل أبى صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه ولم ينسنى ثكل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وثكل أبى وبنى أبى ووجده بين لهاتي ومرارته بين حناجري وحلقى وغصصه تجرى في فراش صدري ومسئلتي أن تكونوا لا لنا ولا علينا ثم قال: لاغرو إن قتل الحسين فشيخه * قد كان خيرا من حسين وأكرم فلا تفرحوا يا أهل كوفان بالذى * أصيب حسين كان ذلك أعظم قتيل بشط النهر روحي فدائه * جزاء الذى أرداه نار جهنم ثم قال رضينا منكم رأسا برأس فلا يوم لنا ولا يوم علينا. قال الراوى: ثم إن ابن زياد جلس في القصر للناس وأذن إذنا عاما وجى برأس الحسين عليه السلام فوضع بين يديه وأدخل نساء الحسين عليه السلام وصبيانه إليه فجلست زينب بنت على عليه السلام متنكرة فسأل عنها فقيل زينب بنت على عليه السلام فأقبل إليها فقال الحمد
[ 94 ]
لله الذى فضحكم وأكذب أحدوثتكم، فقالت: إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا، فقال ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك، فقالت: ما رأيت إلا جميلا، هؤلاء قوم كتب عليهم القتال فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن يكون الفلج يؤمئذ هبلتك أمك يا بن مرجانة. فقال الراوى: فغضب ابن زياد وكأنه هم بهاء، فقال له عمرو بن حريث إنها إمرأة والمراد لا تؤخذ بشئ من منطقها، فقال لها ابن زياد: لقد شفى الله قلبى من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك، فقالت: لعمري لقد قتلت كهلى وقطعت فرعى وإجتثثت أصلى فإن كان هذا شفاك فقد إشتفيت، فقال ابن زياد: هذه سجاعة ولعمري لقد كان أبوك شاعرا وسجاعا، فقالت: يا بن زياد ما للمرأة والسجاعة. ثم التفت ابن زياد إلى على بن الحسين عليهما السلام فقال من هذا ؟ فقيل: على بن الحسين، فقال: أليس قد قتل الله على بن الحسين عليه السلام فقال على عليه السلام: قد كان لى أخ يقال له على بن الحسين قتله الناس فقال بل الله قتله. فقال على عليه السلام الله يتوفى الأنفس حين موتها
[ 95 ]
والتى لم تمت في منامها، فقال ابن زياد: ألك جرأة على جوابي إذهبوا به فإضربوا عنقه فسمعت به عمته زينب فقالت: يابن زياد إنك لم تبق منا أحدا فإن كنت عزمت على قتله فاقتلني معه، فقال على عليه السلام لعمته أسكتي يا عمة حتى أكلمه ثم أقبل، فقال: أبا لقتل تهددني يا ابن زياد أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة. ثم أمر ابن زياد بعلى بن الحسين عليه السلام وأهله فحملوا إلى دار جنب المسجد الأعظم، فقالت زينب بنت على عليه السلام لا تدخلن عربية إلا ام ولد أو مملوكة فإنهن سبين كما سبينا ثم أمر ابن زياد برأيس الحسين عليه السلام فطيف به في سكك الكوفة ويحق لى أن أتمثل هنا بأبيات لبعض ذوى العقول يرثى بها قتيلا من آل الرسول. رأس ابن بنت محمد ووصية * للناظرين على قناة يرفع والمسلمون بمنظر وبمسمع * لا منكر منهم ولا متفجع كحلت بمنظرك العيون عماية * وأصم رزئك كل أذن تسمع أيقظت أجفانا وكنت لها كرى * وأنمت عينا لم يكن بك تهجع ماروضة إلا تمنت إنها * لك حفرة ولحظ قبرك مضجع قال الراوى: ثم إن ابن زياد صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال في بعض كلامه: الحمد لله الذى أظهر
[ 96 ]
الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين وأشياعه وقتل الكذاب بن الكذاب فما زاد على الكلام شيئا حتى قام إليه عبد الله بن عفيف الازدي وكان من خيار الشيعة وزهادها وكانت عينه اليسرى ذهبت في يوم الجمل يصلى فيه إلى الليل، فقال: يا ابن زياد إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك ومن استعملك وأبوه يا عدو الله أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المؤمنين !. قال الراوى: فغضب ابن زياد وقال من هذا المتكلم فقال أنا المتكلم يا عدوا الله أتقتل الذرية الطاهرة التى قد أذهب الله عنها الرجس وتزعم إنك على دين الاسلام واغوثاه أين أولاد المهاجرين والانصار لينتقمون من طاغيتك اللعين بن اللعين على لسان رسول رب العالمين. قال الراوى: فازداد غضب ابن زياد حتى إنتفخت أوداجه وقال: وقال: على به فتبادرت إليه الجلاوزة من كل ناحية ليأخذوه فقامت الاشراف من الازد من بنى عمه فخلصوه من أيدى الجلاوزة وأخرجوه من باب المسجد وإنطلقوا به إلى منزله، فقال ابن زياد: إذهبوا الى هذا
[ 97 ]
الاعمى أعمى الازد أعمى الله قبله كما أعمى عينه فاتوني به، قال فانطلقوا إليه فلما بلغ ذلك الازد أجتمعوا واجتمعت معهم قبائل اليمن ليمنعوا صاحبهم، قال: بلغ ذلك ابن زياد فجمع قبائل مضر وضمهم إلى محمد بن الاشعث وأمرهم بقتال القوم. قال الراوى: فاقتلوا قتالا شديدا حتى قتل بينهم جماعة من العرب، قال ووصل أصحاب ابن زياد إلى دار عبد الله بن عفيف، فكسروا الباب وإقتحموا عليه فصاحب إبنته أتاك القوم من حيث تحذر، فقال: لا عليك ناولنى سيفى: قال: فناوله إياه فجعل يذب عن نفسه ويقول: أنا إبن ذى الفضل عفيف الطاهر * عفيف شيخي وابن أم عامر كم دارع من جمعكم وحاسر * وبطل جدلته مغاور قال وجعلت إبنته تقول يا أبت ليتنى كنت رجلا أخاصم بين يديك اليوم هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة قال وجعل القوم يدرون عليه من كل جهة وهو يذب عن نفسه فلم يقدر عليه أحد وكلما جاءه من جهة قالت يا أبت جاؤك من جهة كذا حتى تكاثروا عليه وأحاطوا به فقالت بنته واذلاه يحاط بأبى وليس له ناصر يستعين به فجعل يدير سيفه ويقول:
[ 98 ]
أقسم لو يفسخ لى عن بصرى * ضاق عليك موردى ومصدري قال الراوى: فما زالوا به حتى أخذوه ثم حمل فأدخل على ابن زياد فلما رآه قال الحمد الله الذى أخزاك فقال له عبد الله بن عفيف: يا عدو الله وبماذا أخزاني الله والله لوفرج لى عن بصرى * ضاق عليك موردى ومصدري فقال ابن زياد: يا عدو الله ما تقول في عثمان بن عفان، فقال يا عبد بنى علاج يا ابن مرجانة وشتمه ما أنت وعثمان بن عفان أسماء أم أحسن وأصلح أم أفسد والله تبارك وتعالى ولى خلقه يقضى بينهم وبين عثمان بالعدل والحق ولكن سلنى عن أبيك وعنك وعن يزيد وأبيه، فقال ابن زياد: لا سئلتك عن شئ أو تذوق الموت فقال ابن زياد: لا سئلتك عن شئ أو تذوق الموت غصة بعد غصة، فقال عبد الله بن عفيف: الحمد لله رب العالمين اما إنى قد كنت أسئل الله ربى أن يرزقنى الشهادة من قبل ان تلدك أمك وسألت الله ان يجعل ذلك على يدى ألعن خلقه وأبغضهم إليه فلما كف بصرى يئست عن الشهادة والان فالحمد لله الذى رزقنيها بعد الياس منها وعرفني الاجابة منه في قديم دعائي، فقال يا ابن زياد: إضربوا عنقه فضربت عنقه وصلب في السبخة.
[ 99 ]
قال الراوى: وكتب عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية يخبره بقتل الحسين عليه السلام وخبر أهل بيته وكتب أيضا إلى عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة بمثل ذلك أما عمرو فحيث وصله الخبر صعد على المنبر وخطب الناس وأعلمهم ذلك فعظمت واعية بنى هاشم وأقاموا سنن المصائب والماتم وكانت زينب بنت عقيل بن أبى طالب عليه السلام تندب الحسين عليه السلام وتقول: ماذا تقولون إن قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم بعترتي وبأهل بيتى بعد مفتقدى * منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم ماكان هذا جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوى رحمى فادما جاء الليل سمع أهل المدينة هاتفا ينادى: أيها القاتلون جهلا حسينا * إبشروا بالعذاب والتنكيل كل أهل السماء يدعو عليكم * منى بنى ومالك وقبيل قد لعنتم على لسان ابن داود * وموسى صاحب الانجيل وأما يزيد بن معاوية فإنه لما وصله كتاب عبيد الله بن زياد ووقف عليه أعاد الجواب إليه يأمره فيه بحمل رأس الحسين عليه السلام ورؤوس من قتل معه وعمل أثقاله ونسائه وعياله فاستدعى ابن زياد بمحفر بن ثعلبة العائذى فسلم إليه الرؤوس والاسرى والنساء فصار بهم محفر الى
[ 100 ]
الشلام، كما يسار بسبايا الكفار يتصفح وجوههن أهل الاقطار. فروى ابن لهيعة وغيره حديثا أخذنا منه موضع الحاجة قال: كنت أطوف بالبيت فإذا برجل يقول اللهم أغفر لي وما أراك فاعلا، فقلت له: يا عبد الله إتق الله ولا تقل مثل ذلك فإن ذنوبك لو كانت مثل قطر الامطار وروق الاشجار فاستغفرت الله غفرها لك فإنه غفور رحيم قال فقال لى: تعالى حتى أخبرك بقصتي فأتيته فقال: إعلم إنا كنا خمسين نفرا ممن سار مع رأس الحسين عليه السلام إلى الشام فكنا إذا أمسينا وضعنا الرأس في تابوت وشربنا الخمر حول التابوت فشرب أصحابي ليلة حتى سكروا ولم أشرب معهم فلما جن الليل سمعت رعدا ورأيت برقا فإذا أبواب السماء قد فتحت ونزل آدم عليه السلام ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ونبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم ومعهم جبرائيل وخلق من الملائكة فدنا جبرائيل من التابوت وأخرج الرأس وضمه الى نفسه وقبله ثم كذلك فعل الأنبياء كلهم وبكى النبي صلى الله عليه واله وسلم على رأس الحسين عليه السلام وعزاه الأنبياء وقال له جبرائيل عليه السلام يا محمد إن الله تبارك وتعالى أمرنى أن أطيعك في أمتك فإن أمرتنى زلزلت بهم الأرض وجعلت عاليها سافلها كما
[ 101 ]
فعلت بقوم لوط، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم يا جبرائيل فإن لهم معى موقفا بين يدى الله يوم القيامة ثم جاءت الملائكة نحونا ليقتلونا فقلت الامان الامان يارسول الله فقال إذهب فلا غفر الله لك. ورأيت في تذييل محمد بن النجار شيخ المحدثين ببغداد في ترجمة على بن نصر الشبوكى بإسناده زيادة في هذا الحديث ما هذا لفظه قال لما قتل الحسين بن على وحملوا برأسه جلسوا يشربون ويجئ بعضهم بعضا بالرأس فخرجت يد وكتبت بقلم الحدى على الحائط. أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب قال فلما سمعوا بذلك تركوا الرأس وهزموا دخول الرؤوس والنساء الى الشام قال الراوى: وسار القوم برأس الحسين ونسائه والاسرى من رجاله فلما قربوا من دمشق دنت ام كلثوم من شمر وكان من جملتهم فقالت له: لى إليك حاجة: فقال: ما حاجتك قالت: إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في درب قليل النظارة وتقدم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحونا عنها فقد خزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذه الحال فأمر في جواب سؤالها أن يجعل
[ 102 ]
الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل بغيا منه وكفرا وسلك بهم بين النظارة على تلك الصفة حتى أتى بهم باب دمشق فوفقوا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبى. فروى: أن بعض فضلاء التابعين لما شاهدا رأس الحسين عليه السلام بالشام أخفى نفسه شهرا من جميع أصحابه فلما وجدوه بعد إذ فقدوه سألوه عن سبب ذلك فقال ألا ترون ما نزل بنا وأنشأ يقول: جاؤا بر أسك يا بن بنت محمد * مترملا بدمائه ترميلا وكأنما بك يا بن بنت محمد * قتلوا جهارا عامدين رسولا قتلوك عطشانا ولم يترقبوا * في قتلك التأويل والتنزيلا ويكبرون بأن قتلت وإنما * قتلوا بك التكبير والتهليلا قال الراوى: وجاء شيخ ودنا من نساء الحسين عليه السلام وعياله وهم في ذلك الموضع فقال الحمد لله الذى قتلكم وأهلككم وأراح البلاد عن رجالكم، وأمكن أمير المؤمنين منكم فقال له على بن الحسين عليه السلام يا شيخ هل قرأت القرآن ؟ قال: نعم، قال فهل عرفت هذه الآية: (لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى). قال الشيخ: نعم قد قرأت ذلك فقال على عليه السلام له فنحن القربى يا شيخ فهل قرأت في
بنى إسرائيل (وآت القربى حقه) فقال الشيخ قد قرأت، فقال على بن الحسين فنحن القربى يا شيخ فهل قرأت هذه الآية: (واعملوا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى). قال: نعم، فقال له على عليه السلام: فنحن القربى يا شيخ فهل فرأت هذه الاية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهر كم تطهيرا. قال الشيخ: قد قرأت ذلك، فقال على عليه السلام: فنحن أهل البيت الذى خصصنا الله بآية الطهارة يا شيخ. قال الراوى: فبقى الشيخ ساكتا نادما على ما تكلم به وقال: بالله إنكم هم، فقال: على بن الحسين عليهما السلام تالله إنا لنحن هم من غير شك وحق جدنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فبكى الشيخ ورمى عمامته ثم رفع رأسه إلى السماء وقال اللهم إنا نبرأ إليك من عدو آل محمد صلى الله عليه واله وسلم من جن وإنس، ثم قال هل لى توبة، فقال له: نعم إن تبت تاب الله عليك وأنت معنا، فقال: أنا تائب فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر به فقتل. قال الراوى: ثم أدخل ثقل الحسين عليه السلام ونسائه ومن تخلف من أهل بيته على يزيد بن معاوية (لع) وهم مقرنون في الحبال، فلما وفقوا بين يديه وهم على تلك
[ 104 ]
الحال قال على بن الحسين عليهما السلام أنشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله صلى الله عليه واله وسلم لو رآنا على هذه الصفة فأمر يزيد بالحبال فقطعت. ثم وضع رأس الحسين عليه السلام بين يديه وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرن إليه فرآه على بن الحسين عليهما السلام فلم يأكل بعد ذلك أبدا وأما زينب فإنها لما رأته أهوت إلى جيبها فشقته ثم نادت بصوت حزين يفزع القلوب يا حسيناه يا حبيب رسول الله يا ابن مكة ومنى يا ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء يا ابن بنت المصطفى. قال الراوى فأبكت والله كل من كان في المجلس ويزيد عليه لعائن الله ساكت. ثم جعلت امرأة من بنى هاشم كانت في دار يزيد لعنه الله تندب على الحسين عليه السلام وتنادى يا حبيباه يا سيد أهل بيتاه يا ابن محمد يا ربيع الارامل واليتامى يا قتيل أولاد الادعياء، قال الراوى: فأبكت كل من سمعها. ثم دعاء يزيد عليه اللعنة بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين فأقبل عليه أبو برزة الأسلمي وقال: ويحك يا يزيد أتنكت بقضيبك ثغر الحسين عليه السلام
[ 105 ]
ابن فاطمة عليها السلام أشهد لقد رأيت النبي صلى الله عليه واله وسلم يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن عليهما السلام أنتما سيدا شباب أهل الجنة فقتل الله قاتلكما ولعنه وأعد له جهنم وسائت مصيرا قال الراوى: فغضب يزيد وأمر بإخراجه فأخرج سحبا، قال وجعل يزيد يتمثل بأبيات ابن الزبعرى ليت أشياخى ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل لأهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لا تشل قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلناه ببدر فاعتدل لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحى نزل لست من خندف إن لم أنتقم * من بنى أحمد ما كان فعل قال الراوى: فقامت زينب بنت على بن أبى طالب عليه السلام فقالت الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسول وآله: أجمعين، صدق الله سبحانه كذلك يقول ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوء أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الارض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الاسراء إن بنا هوانا على الله وبك عليه كرامة وإن ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسرورا حين رأيت الدينا لك مستوثقة والامور متسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا فمهلا مهلا أنسيت
[ 106 ]
قول الله تعالى (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزداد وا إثما ولهم عذاب مهين) أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإمائك وسوقك بنات رسول لله صلى الله عليه واله وسلم سبايا قد هتكت ستور هن وأبديت وجوههن تحدوا بهن الاعداء من بلد إلى بلد ويستشر فهن أهل المناهل والمناقل ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدنى والشريف ليس معهن من رجالهن ولى ولا من حماتهن حمى وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأذكياء ونبت لحمه من دماء الشهداء وكيف ويستبطأ في بغضاء أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنان والاحن والاضغان ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم. لا هلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا يا يزيد لاتشل منتحيا على ثنايا أبى عبد الله عليه السلام سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة وإستأصلت الشأفة باراقتك دماء ذرية محمد صلى الله عليه واله وسلم ونجوم الارض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك، وزعمت إنك تناديهم فلتردن وشيكا موردهم ولتوذن إنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت اللهم خذ لنا بحقنا وانتقم ممن ظلمنا وأحلل
[ 107 ]
غضبك بمن سفك دمائنا وقتل حماتنا فوالله ما قريب إلا جلدك ولا حززت إلا لحمك ولتردن على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بما تحملت من سفك ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته وحيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم. (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحيا عند ربهم يرزقون). وحسبك بالله حاكما وبمحمد صلى الله عليه واله وسلم خصيما وبجبرائيل ظهيرا وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلا وأيكم شر مكانا وأضعف جندا ولئن جرت على الدواهي مخاطبتك إنى لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك وأستكثر توبيخك لكن العيون عبرى والصدور حرى الا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحرب الشيطان الطلقاء فهذه الايدى تنطف من دمائنا والافواه تتحلف من لحومنا وتلك الجثث الطواهر الزواكى تتنابها العواسل وتعفرها أمهات الفراعل ولئن اتخذتنا مغنما لتجدنا وشيكا مغرما حين لا تجد الا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد: فإلى الله المشتكى وعليه المعول فكد كيدك وأسع سعيك وناصب جهد كفوالله لا عنك عارها وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد يوم ينادى المنادى الا لعنة الله على الظالمين فالحمد
[ 108 ]
لله رب العالمين الذى ختم لاولنا بالسعادة والمغفرة ولاخرنا بالشهادة والرجمة ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود وحسبنا الله ونعم الوكيل. فقال يزيد لعنه الله: يا صيحة تحمد من صوائح * ما أهون الموت على النوائح قال الراوى: ثم استشار أهل الشام فيما يصنع بهم، فقالوا لا تتخذن من كلب سوء جروا، فقال النعمان بن بشير: أنظر ما كان الرسول يصنع بها فاصنعه بهم. فنظر رجل من أهل الشام إلى فاطمة بنت الحسين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين هب لى هذه الجارية، فقالت فاطمة لعمتها: يا عمتاه أو تمت وأستخدم ؟ فقالت: زينب: لاولا كرامة لهذا الفاسق فقال الشامي: من هذه الجارية ؟ فقال يزيد: هذه فاطمة بنت الحسين عليه السلام وتلك زينب بنت على بن أبى طالب فقال الشامي: الحسين بن فاطمة عليهما السلام وعلى بن أبى طالب عليه السلام ! قال: نعم فقال الشامي: لعنك الله يا يزيد أتقتل عترة نبيك وتسبى ذريته والله ما توهمت إلا
[ 109 ]
أنهم سبى الروم ! فقال يزيد: والله لألحقنك بهم، ثم أمر به فضربت عنقه. قال الراوى: ودعا يزيد بالخطيب وأمره أن يصعد المنبر فيذم الحسين وأباه عليهما السلام فصعد وبالغ في ذم أمير المؤمنين والحسين الشهيد عليهما السلام والمدح لمعاوية ويزيد عليهما لعائن الله فصاح به على بن الحسين عليه السلام ويلك أيها الخطيب إشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبؤ مقعدك من النار ولقد أحسن ابن سنان الخفاجى في وصف أمير المؤمنين عليه السلام يقول: أعلى المنابر تعلنون بسبه * وبسيفه نصبت لكم أعوادها قال الراوى: ووعد يزيد (لع) على بن الحسين عليهما السلام في ذلك اليوم إنه يقضى له ثلاث حاجات ثم أمر بهم إلى منزل لا يكنهم من حر ولا برد فاقاموا به حتى تقشرت وجوههم وكانوا مدة إقامتهم في البلد المشار إليه ينوحون على الحسين عليه السلام. قالت سكينة فلما كان في اليوم الرابع من مقامنا رأيت في المنام رؤيا ذكرت مناما طويلا في آخره رأيت أمرأة راكبة في هودج ويدها موضوعة على رأسها فسألت عنها فقيل لى فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله وسلم أم أبيك فقلت والله لأنطلقن إليها ولأخبرنها ما صنع بنا فسعيت مبادرة
[ 110 ]
نحوها حتى لحقت بها فوقفت بن يديها أبكى وأقول يا أماه جحدوا والله حقنا يا أماه بددوا والله شملنا يا أماه إستباحوا والله حريمنايا أماه قتلوا والله الحسين عليه السلام أبانا، فقالت لى: كفى صوتك يا سكينة فقد قطعت نياط قلبى هذا قميص أبيك الحسين عليه السلام لا يفارقنى حتى ألقى الله به. وروى ابن لهيعة: عن أبى الاسود محمد بن عبد الرحمن قال: لقيني رأس الجالوت فقال والله بينى وبين داود لسبعين أبا وإن اليهود تلقاني فتعظمني وأنتم ليس بين ابن نبيكم وبينه إلا أب واحد قتلتم ولده ! وروى عن زين العابدين عليه السلام قال: لما أتى برأس الحسين عليه السلام إلى يزيد كان يتخذ مجالس الشرب ويأتى برأس الحسين عليه السلام ويضعه بين يديه ويشرف عليه فحضر ذات يوم في مجلسه رسول ملك الروم وكان من أشراف الروم وعظمائهم، فقال يا ملك العرب هذا رأس من ؟ فقال له يزيد: مالك ولهذا الرأس ؟ فقال إنى إذا رجعت الى ملكنا يسألنى عن كل شئ رأيته فأحببت أن أخبره بقصة هذا الرأس وصاحبه حتى يشاركك في الفرح والسرور، فقال يزيد: عليه اللعنة هذا رأس الحسين بن على بن أبى طالب عليه السلام، فقال الرومي: ومن أمه ؟
[ 111 ]
فقال: فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسم فقال النصراني أف لك ولدينك لى دين أحسن من دينكم إن أبى من حوافد داود عليه السلام وبيني وبينه آباء كثيرة والنصارى يعظمونى ويأخذون من تراب قدمى تبركا بأنى من حوافد داود عليه السلام وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وما بينه وبين نبيكم إلا أم واحدة فأى دين دينكم !. ثم قال ليزيد: هل سمعت حديث كنيسة الحافر ؟ فقال له: قل حتى أسمع فقال: بين عمان والصين بحر مسيرة سنة ليس فيها عمران إلا بلدة واحدة في وسط الماء طوله ثمانون فرسخا ى ثمانين فرسخا، ما على وجه الارض بلدة منها ومنها يحمل الكافور والياقوت أشجارهم العود والعنبر وهى في أيدى النصارى لا ملك لأحد من الملوك فيها سواهم وفى تلك البلدة كنائس كثيرة أعظمها كنيسة الحافر في محرابها حقة ذهب معلقة فيها حافر يقولون إن هذا حافر حمار كان يركبه عيسى عليه السلام وقد زينوا حول الحقة بالديباج يقصدها في كل عام عالم من النصارى ويطوفون حولها ويقبلونها ويرفعون حوائجهم الى الله تعالى عندها هذا شأنهم ورأيهم بحافر حمار يزعمون إنه حافر حمار كان يركبه عيسى عليه السلام نبيهم وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم فلا بارك
[ 112 ]
الله تعالى فيكم ولا في دينكم، فقال يزيد: (لع) أقتلوا هذا النصراني لئلا يفضحنى في بلاده فلما أحس النصراني بذلك قال له: أتريد أن تقتلني ؟ قال: نعم قال: إعلم إنى رأيت البارحة نبيكم في المنام يقول لى يا نصراني أنت من أهل الجنة فتعجبت من كلامه ؟ وأشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ووثب إلى رأس الحسين عليه السلام فضمه إلى صدره وجعل يقبله ويبكى حتى قتل. قال وخرج زين العابدى عليه السلام يوما يمشى في أسواق دمشق قاستقبله المنهال بن عمرو فقال له: كيف أمسيت يا ابن رسول الله ؟ قال أمسينا كمثل بنى إسرائيل في آل فرعون يذبحون أبنائهم ويستحيون نسائهم يا منهال أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمدا عربي، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمدا منها وأمسينا معشر أهل بيته ونحن مغصوبون مقتولون مشردون، فإنا لله وإنا إليه راجعون مما أمسينا فيه، يا منهال ولله در مهيار حيث قال: يعظمون له أعواد منبره * وتحت أرجلهم أولاده وضعوا بأى حكم بنوه يتبعونكم * وفخر كم إنكم صحب له تبع ودعا يزيد عليه لعائن الله يوما بعلى بن
[ 113 ]
الحسين عليه السلام وعمرو بن الحسين عليه السلام وكان عمرو صغيرا يقال ان عمره إحدى عشرة سنة، فقال له: اتصارع هذا يعنى إبنه خالدا ؟ فقال له عمرو: لا ولكن أعطني سكينا واعطه سكينا ثم أقاتله، فقال يزيد (لع): شنشة أعرفها من أخزم * هل تلد الحية إلا الحية وقال لعلى بن الحسين عليه السلام: أذكر ما جائك الثلاث اللاتى وعدتك بقضائهن فقال له: الاولى: أن ترينى وجه سيدى ومولاى وأبى الحسين عليه السلام فأتزود منه. والثانية: أن ترد علينا ما أخذ منا. والثالثة: إن كنت عزمت على قتلى أن توجه مع هؤلاء النسوة من يرد هن إلى حرم جدهن صلى الله عليه واله وسلم، فقال له يزيد،: أما وجه أبيك فلا تراه أبدا وأما قتلك فقد عفوت عنك وأما النساء فما يردهن غيرك إلى المدينة وأما ما أخذ منكم فأنا أعوضكم عنه أضعاف قيمته فقال: أما مالك فما نريده فهو موفر عليك وإنما طلبت ما أخذ منا لان فيه مغزل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله وسلم ومقنعتها وقلادتها وقميصها فأمر برد ذلك، وزاد فيه من عنده مائتي دينار فأخذها زين العابدين عليه السلام وفرقها في الفقراء ثم أمر برد
[ 114 ]
الاسارى وسبايا الحسين عليه السلام إلى أوطانهن بمدينة الرسول صلى الله عليه واله وسلم. فأما رأس الحسين عليه السلام فروى إنه أعيد فدفن بكربلاء مع جسده الشريف عليه السلام وكان عمل الطائفة على هذا المعنى المشار إليه، ورويت آثار كثيرة مختلفة غير ما ذكرناه تركنا وضعها كيلا ينفسخ ما شرطناه من اختصار الكتاب. قال الراوى: لما رجع نساء الحسين عليه السلام وعياله من الشام وبلغوا العراق قالوا للدليل مر بناعلى طريق كربلاء فوصلوا الى موضع المصرع فوجدوا جابر بن عبد الله الانصاري (ره) وجماعة من بنى هاشم ورجالا من آل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد وردوا لزيارة قبر الحسين عليه السلام فوافوا وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد واجتمع إليهم نساء ذلك السواد فأقاموا على ذلك أياما فروى عن أبى حباب الكلبى قال حدثنا الجصاصون قالوا: كنا نخرج إلى الجبانة في الليل عند مقتل الحسين عليه السلام فنسمع الجن ينوحون عليه فيقولون: مسح الرسول جبينه * فله بريق في الخدود أبواه من أعلى قريش * وجده خير الجدود
[ 115 ]
قال الراوى: ثم انفصلوا من كربلاء طالبين المدينة قال بشيرين جذلم: فلما قربنا منها أنزل على بن الحسين عليه السلام فحط رحله وضرب فسطاطه وأنزل نسائه وقال: يا بشر رحم الله أباك لقد كان شاعرا فها تقدر على شئ منه فقال بلى يا ابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إنى شاعر فقال عليه السلام أدخل المدينة وانع أبا عبد الله عليه السلام قال بشير فركبت فرسى وركضت حتى دخلت المدينة فلما بلغت مسجد النبي صلى الله عليه واله وسلم رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول: يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فأدمعي مدرار الجسم منه بكربلاء مضرج * والرأس منع على القناة يدار قال ثم قلت هذا على بن الحسين عليهما السلام مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه، قال: فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدور هن مكشوفة شعور هن مخمشة وجوههن ضاربات خدود هن يدعون بالويل والثبور فلم أر باكيا أكثر من ذلك اليوم ولا يوما أمر على المسلمين منه وسمعت جارية تنوح على الحسين عليه السلام فتقول. نعى سيدى ناع نعاه فأوجعا * وأمرضني ناع نعاه فأفجعا
[ 116 ]
فعينى جودا بالدماع وأسكبا * وجودا بدمع بعدد معكما معا على من دهى عرش الجليل فزعوعا * فأصبح هذا المجد والدين أجدعا على إبن نبى الله وإبن وصيه * وإن كان عناشاحط الدار اشعا ثم قالت أيها الناعي جددت حزننا بأبى عبد الله عليه السلام وخدشت منا قروحا لما تندمل فمن أنت رحمك الله فقلت: أنا بشير بن جذلم وجهنى مولاى على بن الله فقلت: أنا بشير بن جذلم وجهنى مولاى على بن الحسين عليه السلام وهو نازل في موضع كذا وكذا مع عيال أبى عبد الله الحسين عليه السلام ونسائه قال فتركوني مكاني وبادروني فضربت فرسى حتى رجعت إليهم فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع فنزلت عن فرسى وتخطيب رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط وكان على بن الحسين عليه السلام داخلا فخرج ومعه خرقة يمسح بها دموعه وخلفه خادم معه كرسى فوضعه له وجلس عليه وهو لا يتمالك عن العبرة وارتفعت أصوات الناس بالبكاء وحنين النسوان والجوارى والناس يعزونه من كل ناحية فضبحت تلك البقعة ضجة شديدة. فأومأ بيده أن سكتوا فسكنت فورتهم فقال: الحمد لله رب العالمين مالك يوم الدين بارئ الخلائق أجمعين الذى بعد فارتفع في السموات العلى وقرب فشهد النجوى نحمده على عظائم الامور وفجائع الدهور وألم الفجائع
[ 117 ]
ومضاضة اللواذع وجليل الرزء وعظيم المصائب الفاظعة الكاظة الفادحة الجائحة أيها القوم ان الله وله الحمد إبتلانا بمصائب جليلة وثلمة في الاسلام عظيمة قتل أبو عبد الله الحسين عليه السلام وعترته وسبى نسائه وصبيته وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان وهذه الرزية التى لا مثلها رزية، أيها الناس فأى رجالات منكم يسرون بعد قتله أم أي فؤاد لا يحزن من أجله، أم أيه عين منكم تحبس دمعها وتضن عن أنهما لها فلقد بكت السبع الشداد لقتله وبكت البحار بأمواجها والسموات بأركانها، والارض بأرجانها والسموات بأركانها، البحار والملائكة المقربون وأهل السموات أجمعون. يا أيها الناس أي قلب لا ينصدع لقتله أم أي فؤاد لا يحن إليه أم أي سمع لا يسمع هذه الثلمة التى ثلمت في الاسلام ولا يصم، أيها الناس أصبحنا مطرودين مشردين مذودين وشاسعين عن الامصار كأنا أولاد ترك وكابل من غير جرم إجترمناه ولا مكروه إرتكبناه ولا ثلمة في الاسلام ثلمناها ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين إن هذا إلا اختلاق والله لو ان النبي تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أعظمها وأوجعها وأفجعها وأكظها وأمرها وأفدحها، فعند الله
[ 118 ]
نحتسب فيما أصابنا وأبلغ بنا فإنه عزيز ذو إنتقام. قال الراوى: فقام صوحان بن صعصعة بن صوحان وكان زمنا فاعتذر إليه صلوات الله عليه بما عنده من زمانة رجليه فأجابه بقبول معذرته وحسن الظن فيه وشكر له وترحم على أبيه. قال على بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس جامع هذا الكتاب: ثم إنه صلى الله عليه واله وسلم رحل إلى المدينة بأهله وعياله ونظر إلى منازل قومه ورجاله فوجد تلك المنازل تنوح بلسان أحوالها وتبوح باعلال الدموع وإرسالها لفقد حماتها وتندب عليهم ندب الثواكل وتسأل عنهم أهل المناهل وتهيج أحزانه على مصارع قتلاه وتنادى لاجلهم واثكلاه وتقول يا قوم أعذروني على النياحة والعويل وساعدوني على المصاب الجليل، فإن القوم الذين أندب لفراقهم وأحن إلى كرم أخلاقهم كانوا سمار ليلى ونهارى وأنوار ظلمي وأسحاري وأطناب شرقي وإفتخاري وأسباب قوتي وإنتصاري والخلف من شموسي وأقمارى، كم ليلة شردوا باكرامهم وحشتي وشيدوا بأنعامهم حرمتي وأسمعوني مناجات أسحارهم وأمتعوني بإبداع أسرارهم وكم يوم عمرو ان نعى بمحافلهم وعطروا طبعي بضائلهم وأورقوا عودي بماء عهودهم
[ 119 ]
وأذهبوا نحوسى بماء سعود هم وكم غرسوا لى من المناقب وحرسوا محلى من النوائب وكم أصبحت بها أتشرف على المنازل والقصور وأميس في ثوب الجذل والسرور وكم أعاشوا في شعابي من أموات الدهور وكم إنتاشوا على أعتابي من رفات المحذور فأقصدني فيهم منهم الحمام وحسدني عليهم حكم الايام فأصبحوا غرباء بين الاعداء وغرضا لسهام الاعتداء وأصبحت المكارم تقطع بقطع أناملهم والمناقب تشكو لفقد شمائلهم والمحاسن تزول بزوال أعضائهم والاحكام تنوح لوحشة أرجائهم فيا لله من ورع أريق دمه في تلك الحروب وكمال نكس علمه بتلك الخطوب ولئن عدمت مساعدة أهل العقول وخذلني عند المصائب جهل العقول فإن لى مسعدا من السنن الدارسة والاعلام الطامسة فإنها تندب كندبى وتجد مثل وجدى وكربي فلو سمعتم كيف ينوح عليهم لسان حال الصلوات ويحن إليهم إنسان الخلوات وتشتاقهم طوية المكارم وترتاح إليهم أندية الاكارم وتبكيهم محاريب المساجد وتناديهم ماآريب الفوائد لشجاكم سماع تلك الواعية النازلة وعرفتم تقصير كم في هذه المصيبة الشاملة بل لو رأيتم وحدتي وانكساري وخلو مجالسي وآثاري لرأيتم ما يوجع قلب الصبور ويهيج أحزان الصدور لقد شمت بى من كان يحسدنى من الديار
[ 120 ]
وظفرت بى أكف الاخطار فياشوقاه إلى منزل سكنوه ومنهل أقاموا عنده واستوطنوه ليتنى كنت إنسانا أفديهم حز السيوف وأدفع عنهم حر الحتوف وأشفى غيظي من السنان وأرد عنهم سهام العدوان وهلا إذا فاتني شرف تلك المواساة الواجبة كنت محلا لضم جسومهم الشاجة وأهلا لحفظ شمائلهم من البلى ومصونا من لوعة هذا الهجر والقلى، فآه ثم آه لو كنت مخطا لتلك الاجساد ومحطا لنفوس أولائك الا جواز لبذلت في حفظها غاية المجهود ووفيت لها بقديم العهود وقضيت لها بعض الحقوق الاوائل ووقيتها من وقع الجنادل وخدمتها خدمة البعد المطيع وبذلت لها جهد المستطيع، فرشت لتلك الخدود والاوصال فراش الاكرام والاجلال، وكنت أبلغ منيتى من إعتناقها وأنور ظلمتي بإشراقها فيا شوقاه الى تلك الامانى ويا قلقاه لغيبة أهلى وسكاني فكل حنين يقصر عن حنيني وكل دواء غيرهم لا يشفينى، وها أنا قد لبست لفقدهم أثواب الاحزان وآنست بعد هم بجلباب الاشجان وأيست أن يلم في التجلد والصبر وقلت يا سلوة الايام موعدك الحشر ولقد أحسن ابن قتيبة رحمه الله تعالى وقد بكى على المنازل المشار إليها فقال: مررت على أبيات آل محمد * فلم أرها أمثالها يوم حلت
[ 121 ]
فلا يبعد الله الديار وأهلها * وإن أصبحت منهم بزعمي تخلف ألا إن قتلى الطف من آل هاشم * أذلت رقاب المسلمين فذلت وكانوا غياثا ثم أضحوار زية * لقد عظمت تلك الرزايا وجلت ألم تر ان الشمس أضحت مريضة * لفقد حسين والبلاء إقشعرت فأسلك أيها السامع بهذا المصاب مسلك القدوة من حماة الكتاب. فقد روى عن مولانا زين العابدين عليه السلام وهو ذو الحكم الذى لا يبلغه الوصف إنه كان كثير البكاء لتلك البلوى وعظيم البث والشكوى. فروى عن الصادق عليه السلام أنه قال: ان زين العابدين عليه السلام بكى على أبيه أربعين سنة صائما نهاره وقائما ليلة فإذا حضر الافطار وجاء غلامه بطعامه وشرابه قيضعه بين يديه فيقول كل يا مولاى فيقول قتل ابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم جائعا، قتل ابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عطشانا، فلا يزال يكرر ذلك ويبكى حتى يبتل طعامه من دموعه ثم يمزج شرابه بدموعه فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عز وجل. وحدث مولى له: أنه برز يوما إلى الصحراء قال فتبعته فوجدته قد سجد على حجارة خشنة فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكائه وأحصيت عليه ألف مرة يقول لا إله
[ 122 ]
إلا الله حقا حقا لا إله إلا تعبدا ورقا لا إله إلا الله إيمانا وتصديقا وصدقا. ثم رفع رأسه من سجوده وإن لحيته ووجهه قد غمرا بالماء من دموع عينيه، فقلت: يا سيدي أما آن لحزنك أن ينقضى ولبكائك أن يقل ؟ فقال لى: ويحك إن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، كان نبيا ابن نبى له إثنى عشر إبنا فغيب الله واحدا منهم فشاب رأسه من الحزن وإحدودب ظهره من الغم وذهب بصره من البكاء وإبنه حى في دار الدنيا وأنا رأيت أبى وأخى وسبعة عشر من أهل بيتى صرعى مقتولين فكيف ينقضى حزنى ويقل بكائى وها أنا أتمثل وأشير إليهم صوات الله عليهم فأقول: من مخبر الملبسينا يانتزاحهم * ثوبا من الحزن لا يبلى ويبلينا إن الزمان الذى قد كان يضحكنا * بقربهم صار بالتفريق يبكينا حالت لفقد هم أيا منا فغدت * سودا وكانت بهم بيضا ليالينا وها هنا منتهى ما أوردناه وآخر ما قصدناه ومن وقف على ترتيبه ورسمه مع اختصاره وصغر حجمه عرف تميزه على أبناء جنسه وفهم فضيلته في نفسه والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين
[ 123 ]
كتاب حكاية المختار في أخذ الثار
[ 125 ]
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب فيه أخذ الثأر وانتصار المختار على الطغاة الفجار روى أبو مخنف رضى الله عنه قال: لما قتل مولانا ومولى كل مؤمن ومؤمنة الحسين بن أمير المؤمنين عليهما السلام واستولت بنو امية لعنهم الله تعالى على الملك وكان بالكوفة رجل معلم صبيان في مكتب يقال له عمير بن عامر الهمداني وكان ذو عقل وأدب وكان مواليا لأهل البيت عليه السلام، فلما كان في بعض الايام مر به رجل يسقى الماء فقل له عميرا، إسقنى ماء فناوله شربة ماء فشربها الماء). قال: وكان من جملة الاولاد ولد سنان بن أنس النخعي (لع) قال فلما سمع الولد ذلك من المعلم قال لعمير هكذا تسب الخليفة وتلعن الامير عبيد الله بن
[ 126 ]
زياد ! فقال له المعلم: يا غلام إعراض عن هذا الكلام ولا تعد عنى مما سمعت وأنت عندي مثل ولدى. ثم إن الصبى صبر إلى وقت الانصراف فانصرف مع الصبيان ودخل في خراجه وجرح نفسه بسكين كانت معه وفضخ رأسه بحجر وخضب وجهه بالدم ومضى إلى امه، فلما رأته أمه كذلك صرخت في وجهه وقال: يا ولدي من فعل بك هذا ؟ قال إعلمي إن المعلم عبر إليه ساق يسقى الماء فناوله شربة ماء فشرب فطاب له الماء فلعن الخليفة ولعن الامير عبيد الله بن زياد (لع) فلمته على ذلك ففعل بى هذا الفعل. فأخذته أمه الملعونة ومضت به إلى إبن زياد (لع)، ونادت بأعلى صوتها النصيحة فخرج إليها أبو الصبى وكان من خواص إبن زياد الملعون الفاجر الفاسق (لع)، فلما رأى ولده على تلك الحال قال: يا ويلك من فعل بك هذا الفعل ؟ فحدثته إمرأته الملعونة بالحديث من أوله إلى آخر، فلما سمع أخذه وأدخله على عبيد الله بن زياد الملعون، وقص عليه القصة من أولها إلى آخرها وزاد عليها زيادة كثيرة، فلما سع ابن زياد الملعون قال: لبعض قواده أحضروا عمير بن عامر الهمداني مكتوب اليدين مكشوف الرأس سريعا هذه الساعة. وأحضروه بين يدى فمضت القواد من وقتهم وساعتهم وقبضوا على المعلم وجاؤا به
[ 127 ]
وأحضروه بين يدى ابن زياد (لع)، فلما رآه قال له: يا ويلك أنت الذى سببت الخليفة والساب لى ؟ فقال المعلم: معاذ الله أيها الامير أنى ما قلت شيئا من ذلك ولكن احضر الساقى وعقلاء الصبيان فإن شهدوا على ذلك فلا يؤ اخذك الله فيما تعملة في. قال أمر ابن زياد أن يحبسوه في الطامورة. وكان لها ثلاث أبواب على كل باب قفل يقفل فيه ويختم عليه عبيد الله بن زياد قال عمير فأدخلوني الباب الاول والثانى حتى نزلت تحت الطامورة بعشرين ذراعا، فلما نزلت فلم أبصر شيئا فصبرت ساعة فأضاء لى الموضع فرأيت قوما في الميلاد وهم يستغيثون فلا يغاثون منهم أقوام مقيدون ومنهم جماعة مغلولون وسمعت في آخر الطامورة أنينا عاليا فتخطيت رقاب من كان بين يدى حتى وصلت إلى الانين وإذا برجل مقيد مغلولة يديه على عنقه وهو جالس لا يقدر أن يلتفت يمينا ولا شمالا وهو في ذلك الحال يتنفس الصعداء، فسلمت عليه فرد على السلام ورفع رأسه ونظر إلى، وإذا بشعره قد غطا عينيه ووجهه فقلت يا هذا: ما الذى جنيت حتى نزلت بك هذه المصيبة ؟ فقال لأنى من شيعة على بن أبى طالب عليه السلام ومولى ولده الحسين عليه السلام. فقلت له من أنت. من أصحاب الحسين عليه السلام ؟ فقال: أنا المختار بن عبيدة الثقفى.
[ 128 ]
قال عمير: فلما سمعت كلامه بكيت عليه فقبلت رأسه ويديه، فقال لى: من أنت يرحمك الله ؟ فقلت أنا عمير بن عامر الهمداني، وقد كنت أعلم الصبيان فحكيت له قصتي كلها، فقال المختار: ليس هذا موضع المعلمين بل موضع من يأخذ بثار الحسين عليه السلام، روحي فداه ولكن أنت يا عمير لاتغتم وطب نفسا وقر عينا فأنت تخرج عن قريب قال: فبقى المختار والمعلم أياما قلائل، قال: وكان للمعلم إبنه أخ وهى داية في دار ابن زياد (لع) قد أرضعت اولاده فلما سمعت بخبر عمها دخلت على حضية زوجة ابن زياد الملعون وشقت جيبها وهى تبكى فقالت لها حضية: ما الذى أصابك ؟ فقالت: إعلمي يا سيدتي إن عمى شيخ كبير وهو معلم أولادكم وقد وجب حقه عليكم وقد كذب عليه صبى بكلام لم يقله وقد حبسه الامير لعنه الله في الطامورة لعل الله يفك أسره على يدك ويفرج عنه بسببك. فعند ذلك قالت حضية: حبا وكرامة ثم إنها نهضت ودخلت على ابن زياد الملعون وكانت أحظى نسائه وأوجههن إليه، فقالت: أيها الامير إن عمير المعلم له علينا إحسان وقد وجب حقه علينا وهو مكذوب عليه فيما قيل فيه: وأسالك أن تمن على فيه وأن تهبه لى فقال لها: حبا وكرامة.
[ 129 ]
(ثم إنه) دعى في الحال والوقت ببعض حجابه وقال له انطلق الى عمير المعلم وأخرجه من الطامورة وآتني به فمضى الحاجب في الساعة وأتى إلى الطامورة وفتح الاقفال وكان في ذلك الوقت المعلم والمختار يتحدثان فلما سمع الافقال تنفتح قال للمعلم إعلم إن هذه الساعة يفرج الله عنك وتخرج، فقال عمير: والله يعصب على فراقك وإن كنت كارها لهذا الموضع فلما وجدتك إشتهيت أن لا أفارقك طرقة عين، قال: فعند ذلك قال المختار: إن رأيت أصلحك الله تعالى أن يقضى لى حاجة يجزيك الله تعالى عنها الثواب الجزيل ويكون لك عندي منزلة إن كان لى سلامة، فقال المعلم: وما هي حتى أحتال في قضائها، فقال: أريد أن توصل إلى ورقة ولو قدر شبر وقلما ولو قدر ابهام ومداد ولو في قشر جوزة بها حاجة لى. فقال المعلم: حبا وكرامة انشاء الله ولا يكون خاطرك إلا طيب. قال: فبينما هم يتحدثان وإذا بالحاجب قد دخل وأذن للمعلم بالخروج فخرج هو والحاجب حتى مثل بين يدى عبيد الله (لع) فلما رآه قال له: عميرا قد عفونا عنك وعفونا من زلتك لاجل من قد سألنا فيك فإياك أن تعود إلى مثلها أبدا فقال عمير أنا تائب على يدك إننى لا أعود إلى تعليم الصبيان ولا أجلس في مكتب بعد هذا الامر ثم استرخص من عبيد
[ 130 ]
الله بن زياد وانصراف إلى منزله ودخل على زوجته وأوفاها صداقها وطلقها لانه كان خائفا منها أن تظهر خبره وكان صاحب مال وقال في قبله لابد أن أفرغ همتي في قضاء حاجة المختار، ثم إن عمير أعمد إلى بهيمة سمينة فشواها وجعل معه خبزا كثيرا وفاكهة كثيرة وجعل معه ألف دينار وألف درهم وحمل ذلك كله على رأسه وسار في الليل حتى لا يعلم به أحدا حتى أتى دار السجان فلم يجد السجان حاضرا فخرجت إليه زوجته فسلمت عليه وسلم عليها وسلم لها ما كان معه وقال لها إذا قدم زوجك سلمى لى عليه وقولى له إن المعلم الذى كان عندك في الطامورة يقول إننى نذرت لله تعالى نذرا بأنى متى فك الله سبحانه وتعالى سجنى أهديت لك هذا وتركها ومضى عنها فلما ورد السجان إلى منزله حملت إليه جميع ما أهداه عمير فلما رآه حل المنديل وإذا فيه ذلك كله ففرح بذلك وقال هذا من أين قالت له: إن المعلم الذى كان عندك في الطامورة يقرئك السلام ويقول إنى نذرت لله نذرا متى فك الله سجنى أهديت لك ذلك وسلمه إلى ومضى، قال راوي الحديث: فلما كان اليوم الثاني فعل مثل ما فعل بالامس وحمله في زنبيل فلم يجد السجان حاضرا فسلمه إلى زوجته وقال سلمى لى على زوجك وقولى له ما قلت بالأمس.
[ 131 ]
قال فلما حضر السجان: قالت له جميع ما قاله المعلم واحضره بين يديه ما أهداه المعلم، قال السجان والله ما هذا لاجل نذر بل هذا لاجل المختار لا محالة (قال أبو مخنف) وكان ممن أسائه وأحزنه قتل الحسين عليه السلام ولما كان اليوم الثالث إستخلف السجان أخاه بموضعه وعاد إلى منزله وقعد يترقب المعلم وعمد إلى حائل سمينة وشواها وترك تحتها نقدا كثيرة وخبزا كثيرة وفاكهة كثيرة وأخذ منديلا دبقيا وشف فيه ألف دينار وألف درهم وجعل جميع ذلك على رأسه ومضى في الليل الى ار السجان على العادة المستمرة فصادف السجان على الباب فسلم كل واحد منها على صاحبه فأخذه السجان وأدخله الدار فسلم إليه عمير ما كان معه، فقال السجان يا أخى والله لقد أحشمتني بكرامتك فعرفني، ما جتك حتى أنظر في قضائها، فقال يا أخى قد نذرت لله نذرا متى فك الله تعالى أسرى وخلصت مما أتهمت فيه أهديت لك ذلك، فقال السجان: دع عنك هذا الكلام وأذكر لى ما تريد فقال: حق الله العظيم ورسوله النبي الكريم وحق الحسين صلى الله عليهم أجمعين لاقضينها ولو كانت بذهاب نفسي فقال عمير: إعلم يا أخي إنه اخى إنه لما حبسني هذا الظالم الفاجر الملعون في الطامورة رأيت المختار وهو في حالة
[ 132 ]
ردية صورته قد تغيرت فشكى إلى الله وإلى حاله وقد أحرق قلبى سوء حاله وسئلني أو أوصل إليه بياض ولو بقدر شبر وقلما ولو بقدر عقد إبهام ومدادا لو بقشر جوزة، يكتب فيها حاجة له وأريد ان تحتال لى في ذلك وتوصل إليه ما قلت لك، فقال السجان: حبا وكرامة، فإذا كان الغد فاشترى خبزا يكون قرصا وأترك بين الاقراص بياضا واشترى قثاء ويكون في القثاء قلم واشترى جوزا واترك، وفى جملة الجوز مداد وتحمل الجميع على رأسك وتجيئ إلى وتسلم على وتقول لى إنى نذرت نذرا متى خلصت من الحبس هذا للمحبوسين، وتراني أقوم إليك أضربك وأشتمك وأرمى الخبز من أعلى رأسك فينبغي أن تتوسل بى وتتضرع على بما تقدر عليه حتى آخذ الطعام وأدخله الى المختار وأوصل إليه حاجته. فعند ذلك فرح المعلم وقبل يدى السجان وخرج من عنده وبات تلك الليلة فما كان في الغداة أحضر المعلم جميع ما ذكره وحمله وجاء إلى السجن فنظر السجان إليه وقال: ما معك ؟ فقال معى نذر للمسجونين والمحبوسين فقام إليه السجان وضربه وشتمه ورمى الخبز من أعلى رأسه فتوسل به المعلم وقبل يديه كثيرا فبعد إلحاح كثير أخذ الطعام من المعلم وأوصله إلى
[ 133 ]
المختار، ففرح المختار بذلك وحمد الله كثيرا وأخذ الكاغذ وقطعه نصفين وكتب إلى أخته كتابة وكتب إلى صهره عبد الله بن عمر بن الخطاب كتابة أخرى وسلمها إلى السجان وأمره أن يسلمها الى المعلم فأخذ السجان المكتوبين وسلمهما إلى المعلم ففرح المعلم بذلك فرحا شديدا. قال أبو مخنف: وكان عند السجان صبى قد إلتقطته زوجته وكفلته إلى أن أدرك، فقال السجان لامرأته: إعلمي إن هذا الغلام قد أدرك ولست آمنه على بناتى فقالت إمرأته: هذا بمنزلة ولدنا وما يطيب على أن نخرجه من عندنا فسمع الصبى كلامها وقد صار له إطلاع بما صار بين المعلم والسجان من أمر المختار، فأسر الغلام ذلك في نفسه فلما كان الغداة سود وجهه وشق جيبه وخرج إلى قصر الامارة ونادى النصيحة النصيحة للأمير (لع) وإن غفل عنها كان فيها زوال ملكه، فأحضروه بين يدى عبيد الله بن زياد (لع) وقال له: ما نصيحتك أيها الغلام، فقال: أيها الامير إعلم أن المعلم الذى حبسته في الطامورة حمل إلى المختار طعاما وجعل فيه كذا وكذا، وقال له كل ما جرى بينهما، فلما سمع ابن زياد الملعون الفاسق الفاجر ذلك الصبى إنقلبت عيناه في
[ 134 ]
رأسه كالخنزير (لع) وركب من وقته وساعته وذهب إلى دار السجن فقام أصحاب السجن هيبة له ثم إنه أقبل إلى السجان وشجه بالسوط وأمر به فسحبوه وضربوه حتى خضبه بدمه ثم أحضروا المعلم وضربوه ضربا شديدا فامر بضرب عنقه وعنق السجان، فقال السجان: أيها الامير ما جنينا حتى نستوجب القتال ؟ فقال: يا ويلك اظننت إنه يخفى على ما فعلتم وتحيلتم به أنت والمعلم، تنزل على المختار قلما في قثاء ومداد في قشر جوزة، وكاغذا في طيات الخبز، وتريد في ذلك زوال ملكى فقال: أيها الامير هذا أنا والمعلم حاضرين بين يديك، ما غاب، منا أحد ولا مضى على هذا الخبر يومان وما أظن أهل السجن أكلوا من الخبز شيئا فينبغي أن تفتش الطعام إن فيه مما ذكرت شئ فدمائنا على الامير حلال. فأمر ابن زياد الملعون غلمانه أن ينزلوا إلى الطامورة ويصعدون إليه جميع ما فيها من الطعام ففعلون ذلك وفتشوا فلم يجدوا فيه شيئا وأسبل الله تعالى عليهم الستر فاستحى ابن زياد مما فعل وقال: على بالغلام فلما مثل بين يديه قال له: يا ويلك كيف عملت هذا الكذب فتلجلج الغلام فعند ذلك قبل السجان الارض بين يدى عبيد الله بن زياد (لع)، وقال: أيها الامير هذا من يعمل
[ 135 ]
الاحسان في أولاد الزنا، هذا الصبي وجدناه مرميا في ظهر الكوفة فأخذناه وربيناه وأحسنا إليه حتى بلغ الحلم فلم آمنه على بناتى وعلى حرائمي فقلت له: أخرج من بيتى فأسر ذلك في نفسه وأراد هلاكى عندك أيها الامير قال: فلما سمع عبيد الله بن زياد (لع) كلام السجان تعذر عند السجان والمعلم وأخلع عليهما وخفف عن المختار وأمر بضرب رقبة الغلام (لع) وانصرف ابن زياد (لع). قال أبو مخنف رضى الله عنه. وأما ما كان من أمر المختار فإنه لما نزلوه إلى الطامورة أخذه قشرة الجوزة مع مداده ودفنه في موضع حبسه ودفن القلم في موضع آخر، وأما المعلم إنه لما طاب خاطره من أمر ابن زياد (لع) قام من وقته وساعته ودخل الحمام وأخذ شعره وتنظف ومضى إلى باب عبيد الله بن زياد (لع) ولبا وقال الملعون ابن زياد: من هذا الملبى ؟ فقيل له: المعلم أيها الامير الذى أنعمت عليه وأطلقته من السجن، ويقول إنه نذر لله متى خلص مما أتهم فيه يحج بيت الله الحرام، وقد عزم على المسير، فقال: أدخلوه على فأدخلوه عليه فلما مثل بين يديه قال: له يا عمير تمضى إلى المدينة قاصدا مكة أم
[ 136 ]
مكة قبل المدينة ؟ فقال له المعلم: أيها الامير قد نذرت الحج تاما، فقال ابن زياد (لع) أعطوه ألف دينار وألف درهم. فأخذها عمير وتصدق بها على فقراء المؤمنين وخرج قاصدا الى المدينة ولم يزل يجد السير أياما وليالي حتى وصل إلى المدينة فدخل دار عبد الله وكانت زوجة عبد الله بن عمر أخت المختار، وكان ذلك اليوم عند عبد الله غرايب الطعام مطبوخا ومشويا ويقول لها عبد الله تقدمي وكلى من هذا الطعام وهى تقول لا آكل حتى أعرف خبر أخى بأنه طيب سالم فبينما هما كذلك وإذا المعلم دخل عليهما فلما وصل إلى الباب ودقه خرج الخادم إليه فقال: من أنت ؟ قال رجل من أهل الكوفة، فلما سمعت أخت المختار وفد عمير على عبد الله بن عمر وإذا هو شيخ حسن الشيبة فسلم كل واحد منهما على صاحبه وقدم إليه المائدة فأكل منهما حتى إكتفى وغسل يديه فعند ذلك أخرج المعلم المكتوبين وأعطاهما إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب وقرأ كتابه فلما إطلع عليه بكى وخنقته العبرة ودخل على زوجته وقال إبشرى هذا كتاب أخيك إليك وهذا كتاب أخيك إلى فلما رأت ذلك بكت بكاء شديدا وقال: سألتك بالله العظيم ورسوله النبي الكريم الا ما أذنت لى بالخروج إليه فانظر إلى من نظر إلى غرة أخى ؟ فأذن لها في ذلك
[ 137 ]
فخرجت إليه وجلست عنده وقالت: يا أخي أنا أعلم إنه ما حملك على قضاء حاجته إلا حبك للحسين عليه السلام ألا تخفى على من أمره شيئا فحدثها بحديث أخيها من أوله إلى آخره حتى ذكر أنه مقيد مغلول وقد إسود وجهه وفى وجهه ضربة يخرج القيح منها وقد منع ابن زياد الملعون الاطباء عن معالجته قال: فلما سمعت ذلك قامت صارخة ودخلت منزلها وجزت شعرها ذلك قامت صارخة ودخلت منزلها وجزت شعرها وشعر بناتها وخرجت به ورمته بين يدى عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال: ويلك ما هذا ! فقالت: هذا شعرى وشعر بناتى فو الله لا اجتمعت أنا وأنت تحت سقف واحد وأخى على تلك الحالة فعذلها زوجها على ذلك ولامها وقال: والله لو لحقت رجلا ثقة أستاجرة ليوصل كتابي إلى يزيد بن معاوية (لع) ما كان اخوك يلبث ساعة في السجن، فقال المعلم: أنا أمضى قال فعند ذلك فرح عبد الله بن عمر فرحا شديدا وقر غاية السرور وكتب إلى يزيد بن معاوية (لع) ثم دعا بثياب ديباج ولف فيه شعر رأس زوجته وشعر بناتها ودفعه إلى عمير كتابا يتلطف به ويد عوله وذكر في الكتاب أشياء تحثه وأكد عليه تأكيدات بتخلية سجن المختار وكتب عنوانه من عبد الله بن عمر إلى يزيد بن معاوية، قال العمير: امض بارك الله فيك وادفع كتابي إلى يزيد، فإذا قرأه فأحضر
[ 138 ]
له الثواب وأراه ما فيه فكتب إليه شر ما فعلت زوجتى بنفسها وبناتها، تقضى الحاجة إن شاء الله تعالى، ثم قال إلى عمير بن عامر، أوصيك إذا وصلت إلى دمشق فاصبر ثلاثة أيام ثم ادخل الحمام وتنظف. قال: ثم أمر عبد الله بن عمر أن يوطأ له نافة وهيأ له زادا وماء ثم إن عمير استوى على كور ناقته ولم يزل يسير حتى ورد إلى دمشق فدخلها واكثري حجرة وكان في كل يوم يأتي مسجدا كان قريبا منه فيصلى مع أهل المحلة وكان إذا فرغ من صلاته يقول رحم الله الذى قد دعا لى بقضاء حاجتى ثم إنه يأتي إلى باب يزيد يريد الدخول فلا يمكنه الدخول. فلما كان في بعض الايام قال لهم الامام الدى يصلى بهم يا قوم إن أهل الكوفة فيهم الجفاء والشقاوة وما نرى من هذا الشيخ إلا الخير والعلم والمعرفة ومع ذلك سمعناه يقول رحم الله الذى دعا لى بقضاء حاجتى فلم لا نسأله عن حاجته ماهى ؟ فقالوا أيها الشيخ أنت أحق بالمسألة أكثر منا. فلما كان من الغد ورد عمير على العادة وقال مثل ما قاله أولا فلما خرج عمير وخرج إمام المسجد خلف عمير إلى منزله ودخل عليه فرفع موضعه وجلس عنده ساعة
[ 139 ]
وقال له: يا أخى إنا سمعناك تقول رحم الله الذى قد دعالى بقضاء حاجتى وما سألناك عن حاجتك ما هي فإن كان عليك دين فنحن نقضيه وان كان دم فنحن نفديه بأموالنا وأنفسنا. فلما سمع عمير كلامه أطرق إلى الارض ما يدرى ما يقول ويخشى أن يحدثه بذلك فيكون من بنى أمية فلما رآه الامام كذلك أقبل عليه وقال يا هذا الرجل مالك مطرقا تخشى منى أن تبوح بسرك فوالله العظيم ورسوله الكريم وحق أمير المؤمنين وحق الحسن والحسين عليهما السلام لئن أخبرتني بحاجتك لأقضيتها لك ولو بذهاب نفسي ومالى. فلما سمع كلامه وثق به وقال: إعلم يا أخى إننى رجل من أهل الكوفة وإسمى عمير بن عامر، وحدثه بالحديث من أوله إلى آخره ولم يخف منه شيئا. فلما سمع كلامه وعرف ومرامه، وقال له: يا أخى إذا كان من الغد ألبس أفخر ثيابك وتبخر وتطيب حتى يذهب عنك درن السفر والبس فوق ثيابك ثوب ديبقى وشد وسطك بمنديل واجعل الثوب الذى فيه الشعر تحت إبطك واترك على كتفك مئزرا وادخل كأنك بعض الغلمان فإذا أتيت إلى دار يزد الملعون، ووصلت إلى الباب الاول ترى دهليزا
[ 140 ]
طويلا على اليمين دكتان وعلى الشمال دكتان عليها بسط من الديباج الاحمر وعلى كل دكة مائة حاجب وترى على الباب ثلاث أبواب فادخل ولا تسلم عليهم فيجيبوك وبعض الغلمان الذين يدخلون ويخرجون من كثرتهم فلا يعارضك أحد فإذا دخلت الباب الثاني سترى دارا عالية ودهليزا وعلى الجانبين دكتان وفراش من حرير وديباج وعلى كل دكة مائة غلام وعلى فراش كل خادم سقلانى يروحه والسيوف والدروق معلقة على الحيطان فادخل عليهم ولا تسلم عليهم ثم إنك تأتى الى دار عالية ودهليزها طويل وأطول من أول وفيه دكتان على كل دكة منهما بساط من الابريسم الاصفر وعلى كل دكة زهاء مائتين غلام جرد مرد متكئين على وسائد الديباج على رأس كل خادم خمس خدم سقاليه عمر كل واحد من الخدم تسع سنين وهم يروحونهم بمراوح الذهب فجزهم ولا تعبأ بهم، ثم تدخل إلى الدهليز الرابع، وفيه دكتان وعلى كل دكة بساط من الوشى الاصفر على كل دكة زهاء ثلاثمائة غلام أسود مردا وعلى كل رأس واحد منهم غلام يروحه فجزهم ولا تعبابهم، ثم تأتى إلى دهليز خامس، وفيه دكتان عليهما فرش من الديباج وعليهما قوم يقال لهم الطشتية وهم الذين قدموا رأس الحسين عليه السلام بين يزيد الملعون في طشت من الذهب
[ 141 ]
وهم زهاء من خمسمائة عدد بأيديهم الحراب المسقية ومالهم شغل غير اللهو واللعب فجزهم ولا تعبأ بهم، ثم تأتى دهليز سادس سترى فيه دكتان عليهما فرش الزقلاط وعليهما زهاء من خمسمائة غلام وهم الذين كانوا خاصة فجزهم المشورة ولا تعبأ بهم ثم تأتى إلى دهليز سابع وفيه قوم قعود على بسط قد تعبت صناعها وأسهرت فيها عيونهم من غرائب صناعها ودقته وهو مصور فيه سائر ما خلق الله تعالى من الطيور والوحوش على دكتين فلا تنظر إليهم ولا تلتفت فإن التفت إليهم يشكون فيك فيقولون هذا غريب وهم الذين حملوا رأس الحسين عليه السلام إلى يزيد الملعون فجزهم ولا تعبا بهم، ثم تأتى إلى دهليز ثامن ستجده خاليا من الخدم وستري فيه من الصور المختلفة وسقوف قد أجرى عليها ماء الذهب الذى قد تعب صناعها ثم تخرج الى دار عالية علوها أربعون ذراعا في أربعين ذراع فيها بساط على الدار وعرضه عرض قد تعب فيه أيدى الصناع وهو وصلة واحدة وهو محشو بريش النعام مبطن بالحرير وهو من صدر الدار إلى باب الحمام النعام مبطن بالحرير وهو من صدر الدار إلى باب الحمام حتى لا يطأ يزيد على الارض فقف في جنة الدار ساعة في مقدار ما تطلع الشمس فعند ذلك يخرج غلام حسن الوجه عليه قباء ديباج أحمر وعلى رأسه عمامة خز وفى رجليه أخفاف من الأديم الاسود وبيده مفخرة من الفضة
[ 142 ]
وفيها عود وند وعنبر حتى إذا أتى يزيد إلى الحمام وخرج يبخروه ثم يخرج بعده غلام لباسه مثل لباس الاول وبيده كوز مملوء من ماء الورد ومسك وعنبر حتى إذا خرج يزيد الملعون من الحمام رش عليه من ذلك الماء ثم يأتي غلام ثالث حسن الوجه كأنه قمر منير عليه قباء من ديباج أسود محلول غير مشدود وعليه عمامة سوداء وفى رجليه مداس من الديباج الاسود فهو إذا رآك يأتيك مقبلا يسئلك عن حالك وهو يقضى حاجتك لانه ممن يوالى الحسين عليه السلام وهو من يوم قتل الحسين يلبس السواد وهو الذى إشترى رأس الحسين عليه السلام بمائة ألف دينار ورده إلى كربلاء وهو صائم النهار قائم الليل ويفطر على خبز الشعير ويعمل الزنانير ويبيع كل يوم زنارا بخمسمأة درهم وينفق على نفسه بعضا ويتصدق بالباقي على فقراء الشيعة ولا يأكل من مال يزيد شيئا ابدا ولم يكن مملوكا له بل يخدمه ويزيد الملعون مشغوف بحبه ولا يقدر أن يفارقه ولا يغضبه أبدا وكل ما حوت مملكته مطيعون له لما يرون من محبة يزيد الملعون له وترى معه منديل أبريسم ومنشفة ديبقى فإذا رأيته فاسرع إليه وقبل يديه وأعطيه الكتاب وقل له إنى من شيعة الحسين عليه السلام وبح بسرك إليه فإنه يقضى جميع مأويك ويبلغك لانه استاذ الدار والمرجوع إليه والمطاع أمره وكل الخدم يخدمون
[ 143 ]
يزيد (لع) بالنوبة إلا هو لأن يزيد الملعون لا يأمر سواه ولا يقدر أن يفارقه وستراه إذا ذكرت له الحسين عليه السلام يبكى بكاء شديدا فسلمه الكتاب وأنظر ما يأمرك به فافعل فقال له عمير: جزاك الله خيرا ثم انصرف الامام من عند عمير فلما كان من الغد صلى عمير صلاة الصبح وأتى بعيبة كانت من فاستخرج ثوب ديبقى وثوب رومى فلبسهما ولبس فوقهما ثوب خز وتعمم بعمامة خز كوفية كبيرة ولبس خفين من أديم أسود وتطيب وخرج والكتاب معه والشعر وهو ملفوف في الثوب وهو تحت إبطه حتى رقى دار يزيد فرآه كما وصفه له إمام المسجد لم يغادر منه حرفا، قال عمير: وجعلت أخترق دهليزا بعد دهليز حتى وصلت إلى البساط فجعلت أنظر إليه وأفكر فذكرت وصية الشيخ وقوله عندئذ فجزت وسمعت إلخ. (هكذا الخبر) فلما كان من الغد أمر عبد الله بن عمر بن الخطاب لعمير بألف دينار وألف درهم ووطأله على مركوب فره سريع السير، وضبط عمير نفسه وودع عبد الله أخت المختار وقرأ له الفاتحة واستوى في ظهره مطيته وسار طالبا إلى دمشق ولم يجد السير حتى وصل إلى دمشق وبقى مقيما أيام فلما كان في اليوم الرابع دخل الحمام وأخذ شعره وتنظف وتطيب حتى زال عنه ريح
[ 144 ]
السفر ثم إنه لبس ثوب ديبقى مرتفعا عن الارض ولبس من تحته ثوب رومى وشد وسطه بمنديل ديبقى وتعمم بعمامة خز وجعل على كتفية منديل ديبقى وجعل المئزر الذى فيه الشعر تحت إبطه وسار طالبا دار يزيد الملعون الفاجر الفاسق (لع) في الدارين، وإذا هو بالبوابين على الباب الاول كما ذكر له عبد الله بن عمر ودكتان مفروشتان بالديباج زهاء من ثلاثمائة بواب فجازهم ولم يعبأ بهم ودخل الباب الثاني والثالث والرابع وهم كما وصف له عبد الله بن عمر ثم إخترق الدهليز الخامس وإذا فيه قوم جلوس يقال لهم الطشتية وهم الذين قدموا رأس الحسين عليه السلام بطشت من الذهب بين يدى يزيد (لع). قال عمير: فلفتهم بقلى ودخلت الدهليز السادس وإذا هو مفروش بالزقلاط وفيه خمسمائة غلام وهم خواص المشورة فجزتهم ولم أعبأ بهم وما أحد أنكرني من كثرتهم ثم اخترقت الدهليز السابع وإذا فيه بساط قد أتعب صناعه وأسهرت أحداقهم من غرائب صنعته ودقة حكمته فيه كلما خلق الله من صور الوحوش والطيور فجعلت أفتكر فيه ساعة زمانية، ثم إنى ذكرت ما أوصافي به عبد الله بن عمر، وسمعت قائلا يقول:
[ 145 ]
ما أكثر الدخول هذا اليوم إلى هذا المكان فقال له بعضهم يا ويلك دار فيها عشرة الاف حاجب وخادم ولكل واحد منهم خدام بحسب حاله، كيف تستكثر الدخول قال فجزتهم ولم أعبأ بهم حتى إنتهيت إلى صحن الدار وإذا طولها أربعون ذراعا وعرضها كذلك وإرتفاعها كذلك وفيها بساط واحد قد تعب أيدى الصناع مما عملت فيه من التماثيل والصور هومن باب مقصورة يزيد (لع) الى باب الحمام إلى باب الدهليز وذلك البساط محشور بريش النعام وريش العصفور الهندي مبطن بالحرير الاصفر حتى لا يطأ يزيد الملعون على الارض قال عمير: فلم أر مثل ذلك البساط أبدا فبقيت متفكرا في عمله وفى جبروت يزيد الملعون فبينما أنا كذلك وإذا بغلامين ومعهما المبخرة وهما ماضيان الى الحمام وكان (لع) لا يدخل الحمام إلا مصبحا فما كان هنيئة إلا وأقبل غلام ما رأيت أحسن منه وجها وعليه قباء ديباح أسود محلول غير مشدود وعلى رأسه عمامة سوداء وعلى كتفيه منشفة ديبقى وبيده منديل أبريسم، فلما رأني أقبل الى مسرعا وقال لى: لا إله إلا الله محمد رسول الله أين كنت يا عمير منذ سبعة عشر يوما وما الذى أخرك فقد والله أقلقت ليلى ونهارى بانتظارك وتوقعي بمجيئك ؟ فقلت له: يا سيدى ومن أين لك علم بأن إسمى عمير
[ 146 ]
ومن الذى اخبرك إننى دخلت دمشق منذ سبعة عشر يوما ! وما رأيتك وما رأيتنى قبل هذا اليوم ! فقال: يا عمير إننى رأيت سيدى ومولاى الحسين عليه السلام في منافى منذ سبعة عشر يوما وحدثني بحديثك وأوصاني بقضاء حوائجك، فقلت: يا مولاى فأين هو حتى أمضى إليه فقال: ما يحتاج فهو يأتيك فاقضى حاجته وأعلمه إن جدى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يجزيك غدا وهو شفيعه وشفيعك، غدا وإنى سابقه الى الجنة وتكونان في جنة النعيم وإنه بين يدى مع شيعتي أوقفهم بين يدى الحق فأقول: هؤلاء الذين نصروني وجاهدوا بين يدى ثم إن الغلام بكى وبكيت معه، فبينما نحن كذلك وإذا قد أقبل الخدم بعضهم صغار وبعضهم كبار وهم زهاء من ستمائة غلام بالاقبية الديباجية ومناطق الذهب، وبأيديهم دنابيس الجوهر وإذا يزيد الملعون الفاسق الفاجر أقبل وعليه ثوب ديبقى محلول الازرار وعلى رأسه رداء مطوى أربع طاقات معلم بالذهب وفى رجليه نعلان من ذهب شراكهما من اللؤلؤ الرطب والفضة البيضاء مبطنتان بالحرير وهو يتوكأ على قضيب من خيزران مكتوب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال عمير: فلما رأيته ذكرت مولاى الحسين عليه السلام وجرت دموعي
[ 147 ]
ثم إن الغلام أخذ الكتاب منى والمئزر الذى فيه الشعر واستقبله من قبل دخول الحمام وقال له يا خليفة الوقت والزمان اليس لى في عنقك بأن حلفته بحق والدك أن تقضى لى في كل يوم حاجة وهل سألتك منذ قتل الحسين عليه السلام حاجة ؟ قال: لا، ثم قال له (لع). وهل لك حاجة ؟ قال: نعم قال ما حاجتك ؟ قال: حاجتى إليك أن تقرأ هذا الكتاب وترد الجواب في هذه الساعة ثم دفع إليه الكتاب فأخذه وفضه وقرأه وعرف معناه، وقال: أين الذى أوصل اليك هذا الكتاب ؟ فقال: هو هذا يا خليفة الزمان. فقال: على به. قال عمير: فلما وقفت بين يديه نظرت إليه وإذا به ذميم الوجه قبيح المنظر أفطس الانف أسود، بشدقه ضربه كزند البعير غليظ الشفتين ما فيها صفة من صفات الملوك بل صفاته صفات العبيد (لع)، فقال: هذا الكتاب من عبد الله بن عمر بن الخطاب ؟ يسألنى في أمر المختار بن أبى عبيدة الثقفى ؟ يسألنى أن أكتب إلى حاجبي عبيد الله بن زياد الملعون بالافراج عنه، قال عمير فقلت: نعم، فقال فقل لى لا أشك أنك من شيعة الحسين عليه السلام، فقلت أنا رجل إستأجرني عبد الله ابن عمر بن الخطاب لاحمل هذا الكتاب إليك وهذا
[ 148 ]
المئزر، قال ونشرت الثوب وأريته الشعر، فلما نظر إليه إصفر وجهه وتغير لونه وهز رأسه قال: فقال له الغلام رآه أيها الخليفة ما عليك منه إنه من شيعة الحسين عليه السلام أم غيره فأنت أجبه على حاجته، قال ثم استدعى في الوقت والحال بدواه وبياض وكتب كتابا إلى عبيد الله بن زياد (لع) يأمره بالافراج عن المختار وأن يحمله الى صهره عبد الله بن عمر بن الخطاب مكرما ويأمر بالاحسان إليه وأن يكرم الرسول ولا يسئ إليه. ثم التفت إلى الغلام وقال: قضيت حاجتك والله لقد وددت أن تسألني عن مائتي ألف دينار من مالى ولا تسألني بالافراج عن المختار ولكن جمعنا في قضاء هذه الحاجة أمرين: أحد هما: قضينا حق عبد الله بن عمر والاخر: أنعمنا عليك وقضينا حقك. قال عمير بن عامر: فأمر لى أن يعطنى مركوبا وخمسمائة درهم وخلعة فما كان ساعة إلا وقد أحضر ما أمر به ورأيت له هيبة عظيمة، قال عمير بن عامر الهمداني، ثم خرجت من دار يزيد (لع) في غاية الفرح والسرور ومن الحين ركبت الناقة التى أعطاني إياها يزيد وخرجت من دمشق طالبا الكوفة، فما كان مدة قليلة إلا
[ 149 ]
وقد أشرفت على الكوفة وقصدت دار الامارة وعبيد الله بن زياد لعنه الله قال عمير فضيقت لثامى واستأذن الحاجب لى عليه الدخول قال من يكون ؟ قال: وافد من قبل يزيد (لع). قال عمير فضيقت اللثام بحيث لا يرى منى الحدق حتى لا يعرفني أهل الكوفة فلما دخلت عليه أسفرت عن لثامى فنظر عبيد الله بن زياد الملعون إلى فعرفني فضحك عن الغضب وقال يا ويلك فعلتها يا عمير ؟ فقال عمير: نعم فعلتها وأفعلها أيها الامير، قال ثم سلمت الكتاب الى ابن زياد وكان من عادته إذا ورد عليه كتاب من يزيد (لع) لا يقرئه إلا وهو قائم فقبل الكتاب ووضعه على رأسه وفضه فلما قرأه وفهم معناه قال سمعا وطاعة للخليفة (لع): ثم أحضروا المختار في هذه الساعة مكرما فما كان ساعة إلا وقد أحضر بين يديه قال: فلما دخل المختار ورآه ابن زياد الملعون قام له اجلالا ثم أمر أن يحضر له طبيبا يداوى الضربة التى في وجهه وأن يدخل الحمام ويأخذ شعره وأمر أن يخلعون عليه خلعة سنية وأمر له بناقة جيدة لأجل المسير الى المدينة وناقة للزاد وناقة للماء وأمر له بعشرة آلاف دينار وجهزه جهازا حسنا، وقال له: سر الى المدينة راشدا مهديا، قال: واعتذر إليه ابن
+ نوشته شده در ۱۳۹۰/۰۹/۰۹ ساعت توسط محمد
|
قال رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم: وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً إِنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ فِي السَّمَاءِ أَكْبَرُ مِنْهُ فِي الْأَرْضِ فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مِصْبَاحٌ هَادٍ وَ سَفِينَةُ نَجَاةٍوَ إِمَامٌ غَيْرُ وَهْنٍ وَ عِزٌّ وَ فَخْرٌ وَ بَحْرُ عِلْمٍ وَ ذُخْر....