اللهوف في قتلى الطفوف - السيد ابن طاووس الحسني -3-
زياد الملعون كثيرا وتلطف به وكتب معه كتابا إلى عبد الله به عمر. قال عمير: فخرجت أنا والمختار من دار عبيد الله بن زياد الملعون ودخلت معه إلى بيتى بالكوفة وأحضرت له غرائب الطعام وقلت كل يا سيدى فقد خلصت ولله الحمد والمنة من فاقة عظيمة، فقال لى المختار، والله يا عمير لا يخلط ريقي لحما حتى أقتل من بين أمية (لع) ما أوطئ به تحتي وأجلس على رؤوسهم ثم أبسط بساطا على القتلى وأجلس أنا وأصحابي، قال: ثم قدمت إليه النوق فركب وركبت معه ثم قال: لى شكر الله سعيك وأستودعك الله يا شيخ، قال قلت له: والله ما أفارقك أبدا فقال لى: حبا وكرامة. قال: ثم أركبني معه في الهودج قال فأقطر الجمال وأخذ بزمام الاولى وسرنا حتى قدمنا إلى المدينة الطبية وكان في ذلك اليوم الذى قدمنا فيه طبخ لعبد الله ابن عمر بن الخطاب هريسة وقد غرف في الاصحن وهو يقول لزوجته كلى معى وكان يحبها محبة عظيمة وهى تقول إليك عنى يا بن عمر فوالله لا يخالط لحمى حتى أعرف خبر أخى المختار وانظره بين يديه، قال وبينما هما كذلك إذ طرقنا الباب فقام عبد الله بن عمر وفتح
[ 151 ]
الباب وإذا هو بالمختار فاعتنقه وبكى وسلم كل واحد على صاحبه فدخل الدار فقامت أخت المختار واعتنقته وسقطا جميعا إلى الارض مغشيا عليهما، فلما أفاق المختار بقيت أخته مغشيا عليها فحركوها وإذا هي قد قضت نحبها فأخذوا في تجهيزها وغسلوها وكفنوها وصلوا عليها ودفنوها ولزم عبد الله بن عمر عليها الحزن أياما وليال وكذلك المختار حزن عليها حزنا شديدا ثم أقام المختار بعد موتها أياما في المدينة الطيبة. قال أبو مخنف رضى الله عنه، وأما ما كان من أمر يزيد بن معاوية فإنه ركب في بعض الايام في خاصته في عشر الاف فارس يريد الصيد والقنص فسار حتى بعد من دمشق مسير يومين فلاحت له ظبية فقال: لأصحابه لا يتبغى منك أحد ثم إنه إنطلق جواده في طلبها وجعل يطاردها من واد إلى واد، حتى انتهت إلى واد مهول مخوف فأسرع فيه طلبها فلما توسط الوادي لم ير لها خبرا ولم يعرف لها أثرا وكضه العطش فلم يجد هناك شيئا من الماء وإذا برجل معه صحن ماء فقال يا هذا إسقنى قليلا من الماء فلما سقاه قال لو عرفت من انا لازددت من كرامتي، فقال له: ومن تكون. قال: أنا أمير المؤمنين يزيد بن معاوية. فقال الرجل: أنت والله
[ 152 ]
قاتل الحسين بن على بن أبى طالب عليه السلام يا عدو الله ثم نهض ليلزمه فنفر من تحته فرمى به عن مستتر فعلقت رجله بالركاب فجعل الفرس كلما رآه خلفه نفر فلم يزل كذلك إلى أن مزقه وعجل الله بروحه إلى النار، وكان له عشرة ندماء لا يفارقونه ولا يفارقهم ويأمنهم على حريمه وأولاده وماله فاقتحموا الطريق الذى سلك فيه ليعرفوا خبره فوجدوا الفرس وفخذه معلق بالركاب فرفعت الصيحة في المعسكرين فرجعوا إلى دمشق (هكذا) فلم يجدها فخرج إليه ملك من الملائكة الموكلين في جهنم وبيده سوط من النار فضربه على وجهه فأهلكه لعنه الله، فلما أبطأ على أصحابه اقتحموا الطريق الذى سلكه فلم يردوه إنهم سلكوا سلكه ومضوا الى جنهم وبئس المصير لعنهم الله جميعا. قال أبو مخنف (ره) وبقى العكر متحيرين ولم يعرفوا له خبرا فرجعوا إلى دمشق فبعد اليأس منه أقاموا له العزاء ووقعت الفتنة العظيمة، واختلف من الناس بعده فبعضهم من فرح بقتل الملعون وبعضهم من حزن له (لع) فمنهم قوم رضوا بقتل الحسين فجعلوا يمانعون عن اولاد يزيد بن معاوية وحرمه وماله وبعض الناس أرادوا ان يهجموا على دار الملعون ويقتلوا اصحابه
[ 153 ]
وأولاده ويهتكوا حريمه وفى ذلك الوقت كانت ولاية المصرين البصرة والكوفة بيد عبيد الله بن زياد الملعون الفاجر، وكان يزيد الملعون أوصاه أن يقيم بالبصرة ستة أشهر وبالكوفة ستة أشهر. فلما هلك (لع) كان ابن زياد الملعون بالبصرة وكان في حبسه أربعة الآف وخمسمائة رجل من التوابين من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام وأبطاله، وجاهدوا معه وكانوا في حبس ابن زياد الملعون من أيام معاوية ولم يكن لهم سبيل إلى نصرة الحسين عليه السلام لأنهم كانوا مقيدين مغلولين بالحبس وكانوا يطعمون يوما، ويوما لا يطعمون وهم بالكوفة فلما جاء البريد إلى الكوفة بخبر هلال يزيد لعنه الله وكان ابن زياد الملعون في ذلك الوقت بالبصرة. فلما شاع هلاك يزيد (لع) وثبوا على دار ابن زياد ونهبوا أمواله وخيله وقتلوا غلمانه وكسروا حبسه وأخرجوا منه الاربعة آلاف وخمسمائة رجل من أصحاب أمير المومنين على بن أبى طالب عليه السلام منهم سليمان بن صرد الخزاعى وإبراهيم بن مالك الاشتر وابن صفوان، ويحيى بن عوف وصعصعة العبدى وفيهم أبطال وشجعان فلما خرجوا من حبس إبن زياد الملعون نهبوا خزائنه وأمواله وخربوا داره ثم ان البريد خرج الى ابن زياد لعنه الله يخبره قتل يزيد بن معاوية (لع).
[ 154 ]
فلما سمع ابن زياد الملعون بذلك قام من وقته وساعته فرقى المنبر والناس يعلمون بهلاك يزيد وجمعهم من كان جانب ومكان فلما اجتمعوا قام قائما على المنبر ونادى بأعلى صوته يا أهل البصرة ويا جماعة العرب إعلموا إننى قد عزمت على الرحيل الى الشام لاجل حوائج عرضت لامير المؤمنين (لع) ليعلم شاهد كم غائبكم إن الله اختار ما هو أهله وقد قبض يزيد بن معاوية (لع) وليعلم شاهدكم غائبكم إننى مخلف عليكم خليفتي النافذ حكمه فأطيعوه وقد عزمت على الرحيل الى الشام والدخول إلى دمشق وكتبي متواترة إليكم وها أنا سائر فقال الناس سمعا وطاعة ثم عرفهم الخليفة عليهم وقضى حوائجهم وأعطاهم العطايا والخلع ثم عزم على المسير ومعه الرجال والابطال لانه قد بلغه فعل أهل الكوفة وإنهم قد أخرجوا المحبوسين الذين هم أصحاب أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام ونزلوا على الطريق ويتربصون على ابن زياد الملعون ليأخذوه ويقتلوه ثم إن ابن زياد توجه الى الشام فبلغ الخبر إلى أهل الكوفة فخرجوا في طلب ابن زياد الملعون. قال أبو مخنف: [ فلما صار ابن زياد في بعض الطريق أقبل إليه عمر بن الجارود، وقال له: يا عبيد الله اصدقنا على أي وجه خرجت من البصرة، قال له:
[ 155 ]
إعلم قد بلغني أن الخليفة قد هلك وقد اتصل الخبر إلى الكوفة وقد نهبوا دارى وأخرجوا المحبوسين وأنا متخوف منهم أن يكون قد علموا برحيلي من البصرة فيكمنون لى في الطريق فينتقمون منى لأنهم من أصحاب على بن أبى طالب عليه السلام وكانوا في حبسي فقال له عمر بن الجارود إن كان الامر كما تقول فما لك منهم مخلص إلا بما أشير عليك فقال ابن زياد (لع): ما الذى تشير به على ؟ قال (لع) أشدك تحت بطن الناقة وأشد عليك القرب منفوخة خالية من الماء وأرخى عليك الجلال، وأجعل الناقة التى أنت تحت بطنها وسط النوق فإن خالفتني هلكت لا محالة لأنهم يلحقوننا ويفتشوننا فوا الله إن رأوك لا يخلوك ساعة واحدة، قال ابن زياد الملعون إفعل ما بدا لك ثم إن عمر بن الجارود (لع) شد ابن زياد الملعون تحت بطن ناقة قوية حتى فرغوا من حيلتهم فإذا خرج عليهم سليمان ابن صرد الخزاعى (ره) في أبعة آلاف وخمس مائة فارس فأحدقوا بعمر ابن الجارود وأصحابه ونادوا يا لثارات الحسين عليه السلام فقال عمر بن الجارود مهلا يا قوم عفاكم الله ممن تطلبون ثارات الحسين عليه السلام فقال سليمان بن صرد الخزاعى ومن معه بلغنا أن ابن زياد الملعون معكم تحملونه إلى الشام فقالوا: يا قوم اتقوا الله فما نحن بالظلماء ولا بليل
[ 156 ]
ونحن في برية ققراء فتشونا كلنا ففتشهم أصحاب سليمان فلم يروا معهم شيئا ولم يعلموا بالحيلة فرجعوا عنهم وخلوا سبيلهم فقال سليمان (ره) إلى أين يرجع فإن الذى حدثنى بأن ابن زياد الملعون خرج من البصرة قاصدا إلى الشام صادق غير كاذب فنحن نكمن له في الطريق فإذا لقيناه انتقمنا منه لال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ونأخذ منه ما معه من مال بنى أمية (لع) ولا نلقى أحدا ممن أسرج وألجم وشايع وبايع على قتل الحسين عليه السلام إلا قتلناه فقال له أصحابه نحن بين يديك وتحت أمرك ما فينا من يعصيك قال ثم إن ابن الجارود أخذ بابن زياد الملعون في البر الاقفر فلما بعدوا عن أصحاب سليمان بن صرد الخزاعى وأمنوا تقدم الى ابن زياد الملعون وحله من تحت بطن الناقة وأركبه على هودجه فوهب له في الحال عشرة آلاف دينار من المال الذى حمله وسار حتى دخل دمشق بعد عشرين يوما فوجد أهل دمشق وسائر الناس اجتمعوا على أنهم يبايعون عبد الله بن عمر الخطاب فدخل عبيد الله بن زياد (لع) على مروان بن الحكم (لع) وقال له: لا تبايع عبد الله بن عمر بن الخطاب وفيك عرق يضرب فقال له مروان بن الحكم (لع): الراى عندك أيها الامير، قال تنادى قومك وتجمعهم وتفتح خزينة ابن عمك يزيد (لع) وتعطى العسكر وآخذ لك
[ 157 ]
البيعة على جمى الناس وتكون أنت الخليفة مقام ابن عمك اللعين المردود وقد جئتك أنا بخمسين ناقة محملة ذهب وقضة وثياب فاخرجه واعط الجيش المال واخلع على كبارهم وأدعهم إلى بيعتك فإذا بايعك أهل الشام أخرج وجهز الجيش واقصد اهل العراق واكفيك أمر العراقين الكوفة والبصرة واخطب لك فيهما وأكاتب خراسان وأصفهان والحرمين وأكاتب سائر الامصار إنك أنت الخليفة وإن الناس قد اجتمعوا على بيعتك وخلافتك وإن خطبت لك في الشامين خطبت لك في العراقين والحرمين الشريفين وخطبت لك في سائر الامصار واخطب لك في المشرق والمغرب فقال مروان بن الحكم لعنه الله إفعل ما شئت لنا وأنت في هذا الامر أولى فعند ذلك فرش ابن زياد الملعون الانطاع وطرح عليها الاموال وأحضر قواد يزيد (لع) وخاصة وعسكره وأعطى كل واحد منهم أضعاف ما كان يعطيهم يزيد وحلفهم بالمصاحف والطلاق بأنهم لا ينقضوا بيعة مروان بن الحكم (لع) ففعلوا ذلك ثم إن مروان بن الحكم انتقل من داره الى دار يزيد الملعون فعند ذلك جهز مروان بن الحكم لابن زياد الملعون ثلاثمائة ألف فارس من أهل الشام ومن أهل العراق وكتب الى خراسان وأصفهان وإلى سائر الامصار والبلدان، أن الخليفة
[ 158 ]
مروان بن الحكم عقد لابن زياد راية على ثلاثمائة ألف فارس وأنفذه الى العراق من دمشق لقتال من يضاده في الخلافة ثم سار بالعسكر من الشام يريد العراق فلما خرجوا من الشام مسيرة يومين نزل على قرية هناك وكان ابن زياد الملعون قبل نزوله على القرية قد وجه غلاما من غلمانه ليقيم الزاد والعلوفة والنزول للعسكر فلما نزل بذلك الموضع عقد لبعض حجابه راية وضم إليه فارس وأمره أن يكون متقدما على العسكر وقال له بلغنا أن في طريقنا أربعة آلاف وخمسمائة من التوابين الذين تابوا على يد على بن أبى طالب عليه السلام ولا بد أن يتلقوك ويطلبون ثأر الحسين عليه السلام فإن لقيتهم لا تبق منهم أحدا وها أنا في أثرك فارتحل القائد بمن معه في مقدمة ابن زياد وكان سليمان بن صرد الخزاعى وأصحابه ينتظرون قدوم ابن زياد وكانوا كل من يرونه من بنى امية ومن أنساب يزيد وابن زياد وكل من شايع وبايع على قتل الحسين عليه السلام يقتلونه فبينما هم كذلك وإذا قد طلعت عليهم رايات العسكر مع القائد الذى قدمه ابن زياد وهم مائة ألف فارس فلما نظر إليهم سليمان وأصحابه هللوا وكبروا ثم أقبل سليمان على أصحابه وقال يا أخواني هذا عسكر ابن زياد قد أقبل ومعهم رايات مكتوب عليها مروان بن الحكم وابن زياد مضى الى دمشق وعقد البيعة
[ 159 ]
لمروان بن الحكم وعضده ونصره وعقد الرايات على حربكم فاحملوا بارك الله فيكم على أعداء الله وأعداء رسول صلى الله عليه واله وسلم فلما سمعوا ذلك استووا على ظهور خيولهم وقوموا الاسنة وأطلقوا الاعنة ونادوا يا لثارات الحسين عليه السلام وحملوا حملة رجل واحد فلما رأوهم أصحاب ابن زياد حملوا أيضا حملة رجل واحد واقتتلوا قتالا شديدا وصبر سليمان وأصحابه على الشدائد حتى أظلم الليل وحال بين الفريقين وأصحاب ابن زياد ينادون بالبيعة لمروان بن الحكم وأصحاب سليمان ينادون يا لثارات الحسين عليه السلام. قال أبو مخنف (ره): فافترق عن بعضهم بعض وقد قتل من أصحاب ابن زياد إثنى عشر ألف فارس وقتل من أصحاب سليمان (ره) ألف فارس قال وباتا تلك الليلة وقد كلت سواعد هم من الطعن والضرب وخيولهم من التعب وكثرة الجراع فلما أقبل الصباح أذن مؤذن سليمان وصلى بأصحابه وبعد الفراغ من الصلاة إستووا على ظهور خيولهم ونادوا يا لثارات الحسين عليه السلام وحملوا على القوم ولم يزالوا في كر وفر وضرب وطعن حتى جنهم الليل وافترق عن بعضهم بعض وقد قتل من أصحاب ابن زياد الملعون ألف فارس، وقد نزل أصحاب سليمان (ره) في
[ 160 ]
موضع قوم ابن زياد وملكوا رحالهم وأموالهم وانهزموا أصحاب ابن زياد الملعون فلحقهم ابن زياد بعسكره على مسير يومين فلما رآهم منهزمين عظم عليه ذلك وقال لهم يا غلف القلوب ويا جلفان الرجال أنتم مائة الف فارس تنهزمون عن أربعة الاف وخمسمائة فارس ويقتلون منكم أربعين الف فارس فسيروا الان بين يدى فرجعوا معه طالبين سليمان (ره) وقد صار عسكر ابن زياد مائتي ألف فارس وستين الف فارس وساروا وسار ابن زياد الملعون مع قومه في اليوم الثالث وقد بقى سليمان في ثلاثة الآف حتى أشرفوا على أصحاب سليمان. فلما رآهم سليمان (ره) أقبل يحرض أصحابه ويقول: جاهدوا بارك الله فيكم في سبيل الله تعالى فلما رآهم ابن زياد حمل عليهم هو أصحابه حملة رجل واحد واقتتلوا قتالا شديدا ولم يزل كذلك حتى أظلم عليهم الليل وحال بين الفريقين وافترق القوم من المعركة وقد بقى من أصحاب سليمان ألف فارس وقالوا أيها الامير أنت تعلم إننا كنا أربعة آلاف وخمسمائة فارس وبقينا ألف فارس وهذا ابن زياد الملعون في مائتين وأربعين ألف فارس فإن أصبحنا نقاتلهم لم يبق منا أحد والصواب إنا نعبر الفرات ونقطع الجسر ونسير إلى الكوفة
[ 161 ]
وننادى يا لثارات الحسين عليه السلام ولا نلاقى عدو الله ورسوله. فقال سليمان: من أراد منكم يصير إلى الموت ويكره الحياة وإلا ينصرف حيث شاء فإن غرضي أن ألقى مولاى الحسين عليه السلام وهو عنى راض قال فعند ذلك قال أصحابه كلهم ما لنا في الدنيا من حاجة ولا نطلب إلا رضاء الله ورسوله وأهل بيته صلى الله عليه واله وسلم وها نحن بين يديك ثم إنهم باتوا تلك الليلة وقد رغبت نفوسهم في القتل. فلما أصبحوا إستووا على ظهور خيولهم ولا يزالون مقبلين غير مدبرين على هذا الامر سبعة أيام فلما كان في اليوم الثامن أصبح سليمان (ره) وقد بقى من أصحابه سبعة وعشرون رجلا وقد أثخنوا بالجراح، وحجزوا عن القتال وفى جسد كل واحد منهم مائة طعنة ومائة ضربة وسهام نافذة وقد أحصى سليمان ما وصل الى جسده مائة وعشرين طعنة وضربة غير السهام فعند ذلك عبروا الفرات وقطعوا الجسر ونزلوا عن خيولهم وهم لا يطيقون الكلام ولا يستطيعون النهوض من التعب وكثرة الجراح وثقل الحديد وخيولهم قريبة الهلاك من الجوع وكثرة العطش وكثرة الطرد فاضطجعوا على ظهورهم وهم يتلون القران ويكبرون الله ويصلون على محمد صلى الله عليه واله وسلم. قال فعند ذلك قالوا أيها الامير أنت تعلم ما كنا
[ 162 ]
وصرنا إليه من العدة اليسيرة والضعف بعد القوة فهل لك أن ترجع بنا ونجمع العساكر ونكثر من السلاح ونرجع إليهم فقال لهم يا قوم لا أستطيع أن أترك عدو الله ورسول خلفي وأولى عنهم بل أقاتلهم، فألقى الله عز وجل ورسوله وهم راضين عنى، فلما سمعوا عنه ولم يجيبوه ثم ناموا ونام سليمان (ره) قال فبينما هو نائم وإذا بفاطمة الزهراء عليها السلام وخديجة الكبرى وقد أعطتاه إناء فيه ماء وقاليا له: أفض هذا الماء على وجهك وجسدك وعجل إلينا بالقدوم، قال سليمان: ثم انتبهت من نومى وإذا بقدح تحت رأسي مملوء من الماء فافضته على جسدي وإذا قد التحمت جراحي ثم اشتغلت بلبس ثيابي فلم أجد القدح، فقلت الله أكبر قال فنبهت أصحابي وقالوا ما الخبر أيها الامير قال فقصصت عليهم الرؤيا. وفى رواية أخرى: لما رقد سليمان كأنه في روضة خضراء وفيها أنهار وأشجار وأطيار كأنه قد أوتى به إلى قصر من الذهب والفضة وعليه ستور من نور فتقدم سليمان الى الباب ودفعة ودخل القصر وإذا بإمرأة قد خرجت من القصر وهى مخمرة بخمار من حرير وعليها حلل من سندس وإستبرق. قال فلما رآها كاد أن ينصرع فضحكت في وجهه وقالت شكرا لله تعالى لك سعيك يا
[ 163 ]
سليمان ولاخوانك فإنكم معنا يوم القيامة وكل من قتل في مجتنا أو دمعت عيناه رحمة لنا فإنه يوم القيامة معنا، قال سليمان فعند ذلك قلت لها: يا مولاتي من أنتى ؟ فقالت: أنا خديجة الكبرى، وهذه إبنتى فاطمة الزهراء وهذان ولداها الحسن والحسين عليهما السلام معها وهم يقولون لك أبشر فأنت عندنا الزوال ثم ناولتنى إناء فيه ماء، فانتبه سليمان فرأى عند رأسه إناء ماء فأفاضه على جسده وترك القدح إلى جانبه واشتغل بلبس ثيابه فغاب عنه القدح فتعجب من ذلك وقال الله اكبر لا إله إلا الله محمد رسول الله على ولى الله، فانتبه أصحابه لتكبيره وقالوا له ما الخبر أيها الامير ؟ فقال لهم: هذه خديجة الكبرى تخبرني إنى وأنتم غدا عندها ونجتمع مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وناولتني قدحا فيه ماء وأمرتني أن أقيضه على جسدي فافضته وغاب عنى وها أنا لا أحس بألم الجراح ولم يزل سليمان راكعا وساجدا إلى أن طلع الفجر ثم صلى بأصحابه وأمرهم أن يعبروا الفرات فشدوا على خيولهم وحملوا على ابن زياد وقاتلوا الى قرب الزوال فدار وا عليهم القوم من كل جانب فقتلو هم عن آخر هم رحمهم الله ثم أمر ابن زياد الملعون أن يقطعوا رؤوسهم ويحملوها إلى دمشق الى مروان بن الحكم لعنه الله
[ 164 ]
ويخبروه كيف جرى له معهم ولبث ابن زياد يرتقب الجواب. قال أبو مخنف: وكان المختار قد ارتحل من المدينة إلى الكوفة ونزل في دار إبراهيم بن مالك الاشتر ومعه خاتم من طين وهو يزعم أنه خاتم محمد بن الحنفية، وقال يرحمك الله هذا خاتم الامام محمد بن الحنفية قد أنفذني إليك وهو يأمرك أن تجمع له أهل الكوفة وتأخذ له البيعة عليهم وقد ولانى الامر وقد كان محمد بن الحنفية موكوعا لانه اهدى الى أخيه الحسين عليه السلام درع من نسج داود على نبينا وعليه السلام فلبسه ففضل عنه ذراع وأربعة أصابع فجمع محمد بن الحنفية ما فضل منه وفركه بيده فقطعه فأصابته نظرة فصارت أنامله تجرى دما ومدة ولهذا لم يخرج مع الحسين عليه السلام يوم كربلاء لأنه ماكان يقدر أن يقبض قائم سيف ولا كعب رمح، قال فلما سمع إبراهيم كلام المختار قال له: يا أخى إنى لك سامع مطيع ولكن غدا أجمع أهل الكوفة وأبلغهم ما تقول وأسمع ما يقولون من الجواب فلما كان الغد جمع إبراهيم (رض) أهل الكوفة وقال لهم أيها الناس هذا المختار قد ورد من المدينة ومعه خاتم من طين ويذكر إنه خاتم محمد بن الحنفية
[ 165 ]
وهو يأمر كم بالبيعة له فما تقولون قال فلما سمعوا هذا الكلام قالو يا أبا اسحاق أنبايع بخاتم من طين بل نرسل من مشايخنا خمسين شيخا إلى محمد بن الحنفية فإن كان هذا صحيحا فالسمع والطاعة نبايعه ولم نزل بين يديه حتى تقتفى عن آخرنا وإن كان غير ذلك فلسنا نبايع بخاتم من طين، فقال: افعلوا ذلك، قال فجمعوا من خيارهم خمسين شيخا ووجهوهم إلى المدينة فلما وصلوا استأذنوا بالدخول على محمد بن الحنفية فأذن لهم، فدخلوا قال فسلموا عليه فرد عليهم السلام فقالوا يا مولانا يا بن أمير المؤمنين عليه السلام قد قدم علينا المختار ومعه خاتم من طين وهو يزعم خاتمك ويد عونا إلى البيعة ليأخذ بثأر الحسين عليه السلام فقال لهم يا قوم والله ما أنفذت إليكم خاتم من طين ولا غيره ولكن نجب حبا وولايتنا عليكم رجلا ذميا كان أو زنجيا وهو يطلب بثار الحسين عليه السلام والذب عن حريمه وجب عليكم أن تنصروه وتجاهدوا بين يديه ولكن الان هذا خاتمي إليه وليكم وقد وليته عليكم وأن تكونوا له تابعين وتنصروه فقالوا بأجمعهم السمع والطاعة لله ولك يا ين أمير المؤمنين عليه السلام ثم إنهم أخذوا الخاتم وتوجهوا من وقتهم وساعتهم طالبين الكوفة فلما وصلوا القادسية سمع المختار برجوعهم من المدينة فدعى بعبد يقال له سطيع
[ 166 ]
وقال له انطلق الى القادسية واستعلم بخبر أهل الكوفة فإن جاؤا بولايتي فأنت حر لوجه الله تعالى وإن كان غير ذلك فلا ترجع إلى فأنت ميشوم على نفسك فتوجه العبد إلى القادسية فوجدهم قد جمعوا أهل القادسية يأخذون منهم البيعة للمختار (رض) فرجع العبد الى المختار فأخبره بذلك ففرح المختار بذلك فرحا شديدا فاعتنق العبد ثم وردت المشايخ إلى المختار وسلموه الخاتم ونادى مناديم أهل الكوفة بالطاعة له فأطاعوه جميعهم. قال أبو مخنف: ثم إن المختار عقد لابراهيم بن مالك الاشتر راية وضم إليه أربعة وعشرين الف فارس وأهم بالسير الى أعمال الشام وملاقات عدو الله وعدو رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عبيد الله بن زياد الملعون فارتحل إبراهيم بن مالك الاشتر من الكوفة وجد في السير حتى نزل بالانبار فعبر الجيش عليها فخرج أهل الكوفة. وقالوا ما هذا الجيش ؟ قالوا أصحاب الحسين عليه السلام فاخرجوا إليهم الزاد والعلوفة فأبى أصحاب إبراهيم أن يأخذوا منه شيئا إلا بالثمن الوافر ورحل منها ونزل النخل الاسود وهو الكثف الاحمر على يمين الطريق فأقام هناك يومين ورحل منها ونزل على دير اللطيف الذى عند الطريق فأقام ساعة من
[ 167 ]
النهار وحل ونزل على حصون بنى جعفر ثم سار الى تكريت وهى يؤمئذ قلعة منيعة فغلق أهل تكريت الابواب وقالوا لمن هذا الجيش فقالوا نحن أصحاب الحسين عليه السلام فعند ذلك أعلنوا بالبكاء والنحيب ونادوا بأجمعهم وامحمداه واعلياه واحسيناه، ثم إنهم أخرجوا إليهم الزاد والعلوفة فلم يقبلوا منهم شيئا إلا بوافر الثمن، قال: واجتمع مشايخ البلد وتوجهوا الى إبراهيم بن مالك الاشتر وقالوا له أيها الامير نحن نحب ان يكون لنا نصيب وحظ في هذا الامر ونشارككم في الثواب في ثار الحسين عليه السلام ونجمع لكم أموالنا عشرة الاف دينار ونسألك أن تقبلها منا وتنفقها على العسكر فأبى إبراهيم أن يقبل شيئا ثم إرتحل وسار ثلاثين فرسخا في ثلاثة أيام حتى الموصل فخرج إليهم من الموصلي ألف فارس ضارب بالسيف واشهروا سيوفهم في وجوههم وقالوا لمن الجيش، فقالوا: نحن أصحاب الحسين عليه السلام فلما سمعوا ذلك أعلنوا بالبكاء والنحيب ومزقوا ثيابهم وحثوا التراب على وجوههم وصاحوا واحسيناه وأقاموا مأتما عظيما قدر عشرة أيام وأخرجوا الى إبراهيم الزاد والعلوفة فأبى أن يأخذ منهم شيئا إلا بوافر الثمن وكان قد نزل بقرب دير يقال له دير العلاء بمقدار ميلين من الموصل فبينما إبراهيم جالس في خيمته وإذا
[ 168 ]
قد أقبك إليه عجوز تجر أذيالها وهى رثة الأطمار وتنادى في باب الخيمة أنا مستغيثة بالله تعالى وبالأمير وبأصحاب الحسين عليه السلام ليسمع كلامي ويرد جوابي فأنا متنظرة لقدومه من يوم خرج من الكوفة فظن إبراهيم إنها تطلب شيئا، فقال لعبده والله ما أملك شيئا غير الف درهم قد بقيت من نفقتى فأقسمها نفصين وأعط العجوز نصفا وخل نصفا فأخذها العبد وخرج الى العجوز فقالت العجوز: ماهذا ؟ فقال: هذه عطية الامير: قالت العجوز ما أنا محتاجه في هذه بل أريد أن أكلم الامير كلمة واحدة فيها وافر الحظ فرجع العبد الى إبراهيم وأعلمه بذلك، فقال إبراهيم إدفع إليها بقية الدراهم لا تكون مستقلة للعطية فخرج العبد إليها ببقية النفقة وقال لها أيها العجوز خذى هذه الدراهم وأعذرى الامير فقالت ما أريد مالا، أريد أن أكلم الامير بحاجة له فيها حظ عظيم فرجع العبد الى الامير وقال أيها الامير هذه المرأة ما تطلب شيئا بل لها عندك حاجة فقال ادخلها فدخلت عليه فجلست بين يديه فسلمت عليه وإذا هي إمرأة طائعة للدين عليها ثياب من الصوف وعليها سيماء أهل الخير فقال لها: قولى يرحمك الله، فقالت كنت أنا وبعلى ذات يوم جالسين في دويرة لنا في صحن الدار بلدنا هذا كثير السيل والامطار وبعلى حطاب كل يوم بدرهم
[ 169 ]
وينفق علينا بعضه ويتصدق ببعضه على فقراء المسلمين فبينما نحن جلوس وقد وقع المطر فتعوق زوجي من الخروج إلى الحطب فانكشف لنا في دارنا بلاطة بيضاء كأنها كافورة طولها ذراع وعرضها ذراع، فقلت لزوجي: خذ هذه وبعها واشترى لنا قوتا، فقلعها فوجدنا تحتها باب حديد مطبق بقفل عظيم ففتحناه وإذا هو بسرداب مظلم فنزلنا إليه مصباح وإذا مملوء ذهبا لا يعلم عددها إلا الله فأخذنا منها دينارا واحدا وأطبقناه بالبلاطة وغطيناه بالتراب ومضى بعلى الى السوق وصرف الدينار فأخذ بنصفه لحمار وخبزا ورد الباقي وجلسنا نتغذى فمد بعلى يده وأخذ لقمة ووضعها في فمه فغص بها ومات من وقته وساعته قبل ان يبلغ اللقمة فامتنعت أنا من الاكل وتصدقت بباقى الطعام واليوم لى ثلاثة أشهر يهتف بى هاتف وهو يقول يا هذه المرأة إن هذا المال لمن يأخذ بثأر الحسين عليه السلام وقد أتيتك أخبرك فإن شئت أن تسر معى حتى أوقفك على الكنز فافعل وإن أردت أن تنفذ معى أحدا تثق به فافعل. فلما سمع إبراهيم (ره) كلام العجوز ركب هو وعشرة رجال من خاصته وسار مع العجوز حتى أوقفتهم على الباب ففتحوا السرداب ونزلوا إليه بمصباح وإذا فيه مال لا يكون أكثر منه فاحضر الانطاع وبسط عليها الاموال
[ 170 ]
وكان مع إبراهم أربعة وعشرون ألف فارس فدفع الى كل واحد منهم ألف دينار وبقى المال على حاله كأن لم يؤخذ منه شئ ثم إنه حمل منه مائة ناقة ووجهها الى المختار في الكوفة ومعه خمسمأة فارس يحفظونه وجعل على الكنز خمسين رجلا يحفظونه وكتب كتابا الى المختار يعلمه بالكنز وسار إبراهيم حتى نزل نصيبين وكان فيها رجل من بنى شيبان يقال له حنظلة بن مغاور الثعلبي، وكان له عشرة أولاد فكتب إليه إبراهيم (ره) كتابا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من إبراهيم بن مالك الاشترى إلى الامير حنظلة بن مغار الثعلبي. أما بعد: فإنك تعلم ما جرى على الحسين عليه السلام ونحن طالبون بثاره ممن ظلمه من أعداء الله تعالى ورسوله نحن وإياكم على شهادة أن لا إله إلا الله محمدا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهذا كتابي إليك أتساعدني على الاخذ بثأرهم وتقيم لنا المعابر حتى نعبر عليها وتقيم لنا الزاد العلوفة بأوفر ثمن والسلام ونحن نسألك أن تكون تؤمن بالله
[ 171 ]
وبرسوله محمد صلى الله عليه واله وسلم واليوم الاخر ان تأذن لنا بالعبور إلى بلدك نجتاز به من دون أذية ولا نظلم أحدا من الناس وندخل من باب ونخرج من باب آخر غير قاطنين فتكسب الاجر فيما تفعله ووجه الكتاب مع الرسول إلى حنظلة فوجه الرسول حتى أتى إلى باب حنظلة وكان في ذلك الوقت وجه ابن زياد قاصدا إلى حنظلة وكتابا يقول فيه نريد أن تقيم الزاد والعلوفة لا ربع مائة ألف فارس من أصحاب مروان فنفسك مرتهنة رهانا واصل اليك فاحذر المخالفة. قال أبو محنف (رض) فإلتقى الرسولان على باب حنظلة فأخبر حنظلة غلمانه أن قد ورد رسولان [ أحد هما ] رسول إبراهيم بن مالك الاشتر. [ والاخر ] يزعم أنه رسول ابن زياد فقال على بهما جميعا فأحضروهما جميعا بين يديه وهو في دست مملكته والغلمان والحجاب عن يمينه وشماله فلما وقفا بين يديه سلما عليه فرد عليهما السلام وقال أيكما رسول إبراهيم من أصحاب الحسين عليه السلام فقال رسول إبراهيم أنا يا مولاى فقال له: أدن منى يرحمك الله، فدنا منه فأجلسه على سريره وأخذ الكتاب يرحمك الله فدنا، منه فأجلسه على سريره وأخذ الكتاب منه وقبله وتركه على عيونه فلما فضه وقرأه بكى بكاء عاليا فلما قرأ باقى الكتاب قال السمع والطاعة أنا أول من
[ 172 ]
يجاهد بن يديه وأطلب بثار الحسين عليه السلام ثم التفت إلى رسول ابن زياد الملعون وقال له: فيما جئت به أنت فناوله الكتاب فإذا وفيه الله نفسك مرتهنة بإقامة الزاد والعلوفة لاربع مائة ألف فارس، فأخذ الكتاب حنظلة ومزقه، وقال لاصحابه على بالسيف ونطع الدم فاحضروا ذلك فضرب رقبة رسول ابن زياد الملعون ثم خلع على رسول إبراهيم وطوقه بطوق من الذهب وأركبه سابقا من الخيل وقال له: إنطلق الى صاحبك وأخبر بما رأيت وإنني به فقد أقمت له الزاد والعلوفة وإن بلدي موطئ له وأقرأه عنى السلام وأولادى وقومي بين يديه وقل له يجد في لقاء عدو الله ورسوله، فرجع الرسول الى ابراهيم فناوله الكتاب وحدثه بما جرى من فعل حنظلة ففرح إبراهيم بذلك وسار حتى نزل نصيبين فضربت البوقات وتلقاهم أول نصيبين الرجال منهم والمشايخ ونسوانهم ناشرات شعور هن ينادون واسيداه واحسيناه وأصحاب إبراهيم ينادون يا لثاراث الحسين عليه السلام وأطلع لهم حنظلة الهدايا والعلوفة فقال إبراهيم وحق مولاى الحسين ما آخذ شيئا إلا بوافر الثمن وكلوا إذا ساموا الشئ درهما يأخذونه منهم بدر همين والناس يدعون لهم بالنصرة والظهر فأقاموا في نصيبين يومين ثم رحلوا منها يطلبون قلعة ماردين وخرج معهم حنظلة واولاده وأصحابه ونزلوا
[ 173 ]
على قلعة ماردين فنظروا فإذا حنظلة وكانت قلعة ماردين لحنظلة وأصحابه فيها وكان إبراهيم في جانب حنظلة فتقدم وقبل الارض ما بين يديه فقال له حنظلة: أين أبوك قال إرجع وادع لنا أباك فرجع الغلام وأخبر أباه بذلك فنزل من القلعة وأتى إلى حنظلة وسلم عليهم جميعا فحدثه حنظلة بحديث إبراهيم فقال له: أيها الامير لو كنت سبقت ساعة سلمت إليك ابن زياد الملعون قبضا باليد، فقال له: وكيف ذلك يا مبارك الطلعة ؟ قال له: إعلم إن له عندي شيئا وجاء نى اليوم ومعه حرمه وأولاده ومعه أربعون بغلا موقورة مالا فأودعها عندي في القلعة، قال له حنظلة وإبراهيم: بشرك الله بالخبر وأين حريمه وأولاده ؟ قال: عندي قال له إحضرهم فقال سمعا وطاعة ثم مضى الى القلعة وأحضر أولاد ابن زياد الملعون وهم أربعة أولاد ذكورا وثلاثمائة جارية وأربعون بغلا موقورة مالا وصناديق مملوءة من قباطى مصر وخز وديباج فلما، أحضروا بين يدى إبراهيم (رض) قال إبراهيم: أيها الناس إن ابن زياد الملعون قتل الحسين عليه السلام وله من العمر ستين سنة وقتل يحيى بن على وله ثمان سنين وقتل عون بن على وله من العمر أربعة عشر سنة وقتل العباس وله من العمر ثلاثون سنة وقتل فلانا وفلانا حتى عدد ثمانية عشر من أهل البيت ثم
[ 174 ]
قال وقد هتك حرم الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسباهم على الجمال عرايا بغير وطئ فوالله لا أبقيت من بنى أمية ما أقدر عليه وجرد وجرد سيفه وجرد أصاحبه سيوفهم ووضعوها في أولاد ابن زياد وحرمه فقتلوهم عن آخرهم، ثم أقبل أصحابه على القلعة على إبراهيم وقال له أيها الامير أنا أوقع ابن زياد الملعون بيدك بلا طعنة ولا ضربة، فقال له إبراهيم: وكيف ذلك أيها المبارك الطلعة ! قال: أمضى إليه أنا وأولادى وأنت معنا وأبعث واحدا من أولادي يقول له أبى يقرأك السلام ويقول لك إن حنظلة قد مضى وصار من حزب إبراهيم بن مالك الاشتر وقد بايعه وحلف له أن يجاهد بين يديه وأنت تعلم إن القلعة له وملكونا من قبله ولا آمن هذا الرجل فينزل على القلعة ويصل إليه الخبر أن أولادك وحرمك عندي فيريد ذلك منى ولا يمكننى أن أدفعه وأريد أن تخرج إلى وحدك ولا يكون معك أحد من أصحابك حتى أشاورك فإنى لا آمن أن يكون لهم في عسكرك عين علينا فيعلمه بذلك فإدا سمع ابن زياد الملعون بذلك يأتي إلى لأنه يأمننى على نفسه وأولاده وماله فإذا جاء الملعون أدخله وأجلسه بينى وبينك وبين أولادي واقبض أنت قائم سيفك واضرب عنقه وأزحف بعسكرك إلى عسكره فإنهم لا يجتمع منهم إثنان في موضع واحد، فقال إبراهيم: نعم ما أشرت به وبيض
[ 175 ]
الله وجهك ولكني أشير عليك برأى فقال: هات قال بلغني إن معهم سفن نحاس على ظهور الابل لاجل العبور والرأى والصواب أن أجئ معك كما ذكرت وتكون أصحابي كامنين عن يمين المعبر بخمسة آلاف فارس وفى المعبر آلاف فارس وأكون بباقى الجيش فإن استولى لى قتله في الخمية كما ذكرت فالحمد لله رب العالمين. وإن يتولى قتله جئت معك إلى أن أقف على المعبر لان السفن الذى معه صغار لا يقدر أن يعبر عليها غير فارس بعد فارس وأنا أكون إلى جنبك فإنه يحسبنى بعض أولادك فإذا رأيته أرميه عن فرسه وأضرب عنقه، فقال: إفعل ما بدالك فإنى وأولادى تبع لك لكن أوصى أصحابك أن يكونوا بالقرب منك حتى يسمعوا صوتك، فجمع إبراهيم أصحابه وأوصاهم أن يكونوا حول المعبر وأن لا يتبعك عدوا ويكونوا لهم طلائع تقف حول المعبر يعرفونهم ما يكون ففعلوا ذلك وسار إبراهيم (ره) وصاحب حنظلة وتبعهم العسكر فلما صار بالقرب من عسكر ابن زياد ضرب خيمته وجلس فيها صاحب حنظلة وإبراهيم وأرسل واحدا من أولاده إلى ابن زياد الملعون يقول له إقبل إلى وحدك لا يعلم بك أحد من أصحابك فإن جيش إبراهيم قد نزلوا نصيبين وقد أقام حنظلة له الزاد والعلوفة وحلف أن
[ 176 ]
يجاهد بين يديه وأنا خائف أن يعلم بحرمك وأولادك عندي فبادر إلى وحدك لاخلوا أنا وأنت في مشورة فإنى أخاف أن يكون لهم في عسكرك عين فمضى إبنه الى ابن زياد الملعون فأبلغه كلام أبيه قال: فلما سمع ابن زياد كلامه نهض فزعا مرعوبا وركب فرسه وسار في وقته وساعته مع الغلام قاصدا للخيمة وبين يديه عند ومعه شمعة كقامة الرجل وكان بين الخمية وبين المعبر أقل من ميل فلما رآه صاحب حنظلة قام إليه وقبل يديه وكذلك إبراهيم قبل يديه فجعل ابن زياد الملعون يطيل النظر الى إبراهيم (ره) وصاحب القلعة يشغله بالحديث عنه قال إبراهيم فأردت أقوم فافتكرت في ضيق الخيمة وقلت في نفسي إذا جردت سيفى لم يمكننى أن أفتح باعى لصغر الخيمة ولا أدرى أتقع الضربة له في مقتله أم لا وهو مع ذلك شجاع، ورأيت سيفه على فخذه مجردا ولا آمن يصيح بعسكره فيلزموني بعض أصحابه فيثور عسكره وهم أربعمائة آلاف فارس قال فجعل صاحب القلعة يشغله بالحديث حتى يقوم إليه وإبراهيم مطرق رأسه الى الارض فقال ابن زياد الملعون لصاحب حنظلة إذا كان الامر كما ذكرت فلاى شئ أقعد أنا أقوم هذه الساعة وآمر أصحابي بضرب البوقات للرجل وألحقه قبل أن تروح برجل، فقال صاحب القلعة: هذا الرأى أيها
[ 177 ]
الامير، قال فنهض ابن زياد وقال لصاحب القلعة كن أنت وأولادك على المعبر لنحدك أنا وأنت ثم خرج من الخيمة وقدم له العبد فرسه وركب الى عسكره ثم اقبل صاحب القلعة على ابراهيم وقال والله ما شبهتك إلا مسلم بن عقيل تمكن في دار هاني بن عروه ولم يقتله وكان ابن زياد هو القاتل لمسلم بن عقيل (ره) فقال: له إبراهيم بن مالك الاشتر: يرحمك الله إنى قد اقتكرت في جلوسه وسيفه على ركبتيه وصغر الخيمة وقرب عسكره منه فخفت أن يصيح فيسمعونه أصحابه ورأيت أن أقتله في غير هذا الموضع أصلح وأنا أرجو من الله تعالى أن لا يفلت من يدى قال فمضى ابن زياد الملعون الى عسكره سريعا و أقبل صاحب القلعة وأولادهم وإبراهيم فوققوا على المعبر والجيش يعبر فوجا فوجا يسرعون في المعبر على تلك السفن في الناس وفوقها ألواح الخشب حتى عبر منهم مائة ألف فارس ثم أقبل ابن زياد الملعون على بغل أشهب وعلى رأسه قلنسوة من الديباج المدبر محشا بريش النعامة وريش العصفور الهندي وعلى دائر القبة ديباج بمنطقة من الذهب مرصعة بالدار والجوهر بين حمرة الذهب مع بياض الدر مثل مشعل النار ودوره ثلاثون شمعة في أنوار الذهب بأيدى الخدم السقلانية الرومية وعن يمينه شمعتان من العنبر وعن شماله كذلك
[ 178 ]
وعليه برنس من الوشى وقلنسوة من الذهب مرصعة باللؤلؤ الرطب وكان في زى عظيم قال: فتكون إبراهيم من قائم سيفه وهو ملتثم فقال له بعض الخدم تنح عن الطريق حتى يعبر الامير، فقال له إبراهيم: لى إلى الامير حاجة فلما سار ابن زياد قريبا من إبراهيم نادى إبراهيم: أنا مستجير بالله وبالامير فأخرج ابن زياد رأسه لينظر من يستغبث فمد يده إبراهيم وجدبه ورماه الى الارض فوقع على وجهه، وصاح يا لثارات الحسين عليه السلام وجاوبته الكماء وخرج كمين عن اليمين وكمين عن وجاوبته الكماء وخرج كمين عن اليمين وكمين عن الشمال وكمين عن القلب وضربوهم بالسيوف وجرد صاحب القلعة وأولاده وأصحابه سيوفهم ووضعوها في أصحاب ابن زياد الملعون وهم يقولون يا لثارات الحسين عليه السلام ولم يزل السيف يعمل فيهم إلى طلوع الفجر، فلما اصبحوا عدوا القتلى وإذا قتل من أصحاب ابن زياد ثمانون ألف فارس وكان إبراهيم بن مالك الاشتر (ره) قد كتف ابن زياد وثيقا وسلمه الى من يثق به من أصحابه ووكل به مائتي فارس فحملوه وشدوه بالطول وأوثقوة بالحبال القنب والرجال محدقون به وكل منهم يلعنه ويضربه في وجهه وينادون يا لثارات الحسين عليه السلام قال: فلما أسفر الصباح طرح إبراهيم (ره) الانطاع والاديم الطائفي ومن فوقها ستور الديباج ونزل هو
[ 179 ]
وأصحابه وكان معهم ألف أسير وقد أصبغ أصحاب إبراهيم ثيابهم بالدم وصلوا صلاة الصبح، ثم أمر إبراهيم (ره) بإحضار الاسارى فأحضروا بن يديه فأول من قدم ابن زياد الملعون وهو مكتوف، فشدوا رجليه فقال إبراهيم بن مالك الاشتر (ره) إضرموا نارا فجذب إبراهيم خنجره وجعل يشرح من لحم ابن زياد الملعون فيشوى منه على نصف الصاج ويطعمه وكلما امتنع ابن زياد من أكل لحمه ينخسه بالخنجر حتى أكل لحم أفخاذه، فلما علم إنه يموت وضع الخنجر على حلقه فذبحه من الاذن إلى الاذن وإبراهيم (رح) ينادى يا لثارات الحسين عليه السلام ثم أحرق جثته بالنار. وبعده قدم إليه شبث بن ربعى (لع) وخولى بن يزيد الاصبحي وعمره بن الحجاج وسنان بن أنس النخعي لعنهم الله تعالى وهم الذين تولوا حرب الحسين عليه السلام وهتك حريمه ونهب ماله فأول ما بدأ لسنان الملعون وقال يا ويلك اصدقني ما فعلت يوم الطف ؟ قال: ما فعلت شيئا، غير إنى أخذت تكة الحسين عليه السلام من سرواله فبكى إبراهيم عند ذلك فجعل يشرح لحم أفخاذه ويشويها على نصف نضاجها ويطعمه إياه وكلما امتنع من الاكل ينخره بالخنجر فلما أشرف على الموت ذبحه
[ 180 ]
وأحرق جثته (لع) وبعدة قدموا إليه شبت بن ربعى، فقال له إبراهيم: اصدقني ما فعلت يوم الطف ؟ قال ضربت وجهه الشريف فقال له يا ويلك يا ويلك يا ملعون ما خفت من الله تعالى ولا من جده رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثم جعل يشرح أفخاذه حتى مات وعزل رأسه وأحرق جثته (لع) ثم قدموا إليه أبحر بن كعب، فقال إبراهيم رحمه الله تعالى يا ويلك ما فعلت يوم الطف قال أخذت قناع زينب من رأسها وقرطيها من أذنيها فجذبت حتى خرمت أذنيها قال له إبراهيم: وهو يبكى يا ويلك ما قالت لك ! قال: قالت قطع الله يديك ورجليك وأحرقك الله تعالى بنار الدنيا قبل نار الاخرة، فقال له يا ويلك ما خجلت من الله تعالى ولا راقبت من جدها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولا أدركتك الرأفة عليها ثم قال له: اطلع يديك فأطلع يديه وإذا هما مقطوعتان ثم قطر إبراهيم رجليه وقلع عينيه وعذبه بأنواع العذاب. قال أبو مخنف: فأمر إبراهيم (ره) بأحضار النوق وأركبوها ووقروها رؤوس القتلى وكان عدد الرؤوس عشرين ألف رأس وفيها رأس عبيد الله بن زياد (لع) وأنفذ الاموال والغنائم جميعا إلى الكوفة وكتب المختار
[ 181 ]
يخبره بما جرى من حنظلة وفى الحيلة التى عملها صاحبه ثم إبراهيم (ره) بسط بساطا على رؤوس القتلى وأكل هو أصحابه عليهم الطعام قال صاحب الحديث: فلما وردت الرؤوس الى الكوفة خرج المختار خارج الكوفة وأشهرها وفرح الناس عليها فرحا شديدا قال ونادى: تجتها يا لثارات الحسين عليه السلام فلما صار رأس ابن زياد الملعون بين يدى المختار نظر إليه وبصق في وجهه وقال إحرقوه. وقال أبو مخنف: (ره) أما الباقي من عسكر ابن زياد الملعون فبعضهم غرق في الماء وبعضهم إنهزم في البراري وتفرقوا وقليل منهم بقى ورجع الى دمشق الى مروان بن الحكم (لع) قال فعند ذلك رجع إبراهيم الى الكوفة وأصحابه في غاية السرور والفرح مع الكسب والمال الكثير، قال: وأما ما كان من مروان فإنه لما سمع ما جرى على ابن زياد الملعون وعسكره والقتل والنهب والسبي إغتم غما عظيما فلما كان من الغد خرج الى المسجد الجامع وخطب الناس خطبة بالغة ثم قال أيها الناس إن الخوارج الذين مع المختار قد أفتنوا العباد وأفسدوا في البلاد فمن منكم يخرج الى حربهم ويقتل أبطالهم ويبد رجالهم ولا يدع منهم شيخا كبيرا ولا طفلا
[ 182 ]
صغيرا فقام عامر ابن أبى ربيعة الشيباني الملعون وقال أنا أيها الخليفة لذلك فقال مروان (لع) أريد أن تحلف يمينا إنك لا تدع منهم احدا حتى المرأة الحامل تشق بطنها وتقتل جنينها معها فقال سمعا وطاعة وأنا أفعل ذلك وأزيد عليه فلما حلف له جهز معه مائتي ألف فارس وسارع عامر مع العسكر يطلب الكوفة فوصل الى حوالى الكوفة، وأما إبراهيم لما وصل إلى المختار ركب معه في يوم الى الصيد ومعه جيشه وأصحابه فبينما هم كذلك إذ أقبل إليهم رجل راكب وهو مقبل عليهم من صدر البرية قال فرآه المختار فقال على بهذا الرجل فأقاموه بين يديه فقال له المختار: من أين يا أخا العرب والى أين تريد ؟ قال: أتيتك من عسكر مروان بن الحكم الى عامر بن أبى ربيعة فقد ذكر إنه وصل الى مصرعكم هذا ومعه مائتا ألف فارس من مروان بن الحكم يطلب المختار، فقال له المختار يا ويلك أصدقني والا ضربت عنقك، فقال أنا رجل من الازد ولى في عسكر المختار ابن عم وقد خشيت عليه فأتيت أخرجه من الكوفة ولا يتركوا منهم أحدا فقال المختار: لقواده كم في ديواني من الازد، فقالوا: رجل واحد فقال: على به فأحضر بين يديه، فقال له المختار: قد إحتجت إليك بشئ فقال: الازدي: لا فقال له المختار أنت
[ 183 ]
بحكم نفسك فإن أردت المقام عندي فأنا لك كما تحب وإن أردت تذهب مع ابن عمك فمصحوب السلامة ثم إن المختار أمر أن يخلع على الازدي ووهبه الف دينار وقال إنطلق الى صاحبك عامر بن أبى ربيعة فإنى أعلم أنك على حق لا علينا فإذا سألك صاحبك عنى فما تقول له فقال أقول له إن المختار في ستين الف فارس فقال المختار سألتك بالله العظيم لا تكذب ولا تقل إلا الصحيح وقل قد لقيت عسكر المختار مع أصحاب إبراهيم أربعة وعشرين الف فارس، فقال الازدي حبا وكرامة فزاده على ما وهبه وسار الازدي حتى اتى عامر ابن ابى ربيعة وحدثه بالحديث من أوله إلى آخره فقال له عامر بن أبى ربيعة أريد أن تقضى لى حاجة ولك صلتها منى عشرة الاف درهم وعشرة الاف دينار فقال الازدي وما حاجتك أيها الامير فقال تعود إلى المختار وتوصل هذه الرقعة إلى قوم من أصحابه ثم سماهم بأسمائهم حتى عد أربعة عشر قال إنى حالفتهم على قتل المختار وهم اليوم خواصه فقال له الازدي أيها الامير إنى أخاف على نفسي إذا رجعت الى عسكر المختار لان لهم طلائع فيقبضوني ويضربون عنقي فقال له عامر إنى أعلمك حيلة تقول بها وتأخذ جائزتك فقال: وما الحيلة أيها الامير فقال: هذه العشرة الاف دينار والعشر الاف درهم فخذ الجميع وما
[ 184 ]
اعطاك المختار، وسلم الجميع إلى أهلك وإرم ثيابك والبس ثياب أسمال خلقان وضم هذه الرقعة التى الى أصحابي بين الخلقان وإمض إليهم فإذا قربت منهم فمضى حافيا مكشوف الرأس فإن الطلائع يحذرونك ويوقفونك ين يديه فإذا رآك على هذه الحالة يسألك عن حالك قل له إعلم أن عامر بن أبى ربيعة (لع) لما رأى ما أنعمت على ضربتني أخذ جميع ما عندي وأمر بقتلى فسأله بنو عمى في أمرى فأطلقني فأتيتك فإذا سمع مالك هذا يرحمك ويخلع عليك ويجعلك من جملة أصحابه فإذا آمنت وآمن منك سلم الرقعة الى القوم الذين أخبرتك عنهم فقلت السمع والطاعة ثم ان الازدي جمع كل ما أعطاه عامر وما كان من المختار وسلمه الى أهله ولبس ثيابا مقطعة وركب مطيا وسار يطلب الكوفة وهذا المختار على تلك الحالة خارج قريب بلد الحيرة وإذا راكب مقبل فقال المختار لاصحابه احضروا هذا المقبل فأحضروه عنده فنظر إليه وإذا هو الازدي فعرفه فقال له المختار ما خبرك أخا أزد وما هذه الحالة التى أنت فيها فقال الازدي إعلم أيها الامير إن عامر بن أبى ربيعة لما رأى ما أنعمت به على قبضني وأخذ جميع ما عندي وأمر بقتلى فسأله قومي وتشفعوني فصفح عنى وطردني وقد أتيتك قال فلما سمع المختار كلامه رحمه
[ 185 ]
الله وأمر له بخمسة الاف دينار وأخلع عليه وقال طب نفسا وقر عينا وتلطف به المختار كثيرا قال فلما رأى الازدي إلى كثرة إحسان المختار إليه إفتكر في نفسه وقال يا نفس إن الدنيا فاتية والآخرة باقية وهذا المختار وإبراهيم وعسكرهم قوم مؤمنون لا أسمع فيهم صوت ملاهي ولا خمر ولا محرم ولا لهم غير ذكر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه واله وسلم وتلاوة القرآن ومع ذلك لو عثر أحدهم قال ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم وتلاوة القرآن ومع ذلك لو عثر أحد هم قال لعن الله ظالمي أهل البيت وإن شرب أحد هم الماء لعن من ظلم الحسين عليه السلام ومن منعه شرب الماء فوالله لا بعث آخرتي بديناى ثم إنه قرب من المختار وقبل الارض بين يديه وقال أيها الامير أريد أن تعتزل معى ناحية من أصحابك فإن عندي لك فيها وافر الحظ قال فخرج المختار معه حتى اختلا معه قال فعند ذلك حدثه بحيلة عامر بن أبى ربيعة الملعون وإن له من عسكره جواسيس وهم أربعة عشر رجلا وسماهم بأسمائهم واحدا بعد واحد وأخرج الكتاب الذى كتبه عامر الى اصحابه الملعونون وسلمه الى المختار وقال يا مولاى إنى تفكرت في الدينا وفنائها والاخرة وبقائها وقد رجعت الى الله تعالى يا مولاى وأنا تائب إلى الله قال فشكره المختار على فعله وقال له أحسنت يا أخا العرب ثم إن المختار رجع الى اصحابه وأخبر إبراهيم بخبر الازدي وحيلة
[ 186 ]
الملعون وبالاربعة عشر الذين في عسكره قال فعند ذلك أمر المختار بإحضار الاربعة عشر الذين كانوا متفقين على قتل المختار فأحضرو هم قال ذلك رمى المختار عمامته من رأسه وجرد سيفه من غمده وقتل الاربعة عشر واحدا بعد واحد منهم فتقدم إليه إبراهيم وقال له أيها الرجل إن الامير ندم على ما فعل فاصدقني كيف أردتهم وكيف كنت تفعلون فقال له والله يا إبراهيم إن ندم المختار أو لم يندم كما في هذه المدة نتوقع الفرصد وكنا هذه الساعة نريد قتلك وقتل المختار ولكنكم سبقتمونا واعلم إنكم ما ظلمتمونا قال فعند ذلك ضربه إبراهيم (ره) بحربة وزنها ثلاثة أرطال في صدره فأخرجتها من ظهره ثم إلتفت المختار الى الازدي وأخلع عليه الخلع السنية. ثم إن المختار قال لاصحابه كل من يحب الحسين عليه السلام منكم يعطى الازدي قال فجعلوا يرمون على الازدي الدراهم والدنانير حتى صار مساويا لرأسه قال فقال الازدي أيها الامير والله ما آخذ من المال درهما ولا دينارا وأصحاب الحسين أحق منى بهذا المال ولو كنت راغبا في المال لرغبت في المال الذى يعطينى إياه عامر بن أبى ربيعة ولكني أريد رضاء الله قال فجعلوا يصننون على الازدي قال هل أردت أيها الامير أنا أسلم
[ 187 ]
إليك عامر بن أبى ربيعة (لع) قبض اليد فقال له المختار وكيف ذلك فقال له: تبعث معى إبراهيم وأسير أنا معه حتى تقرب من عسكر عامر بن أبى ربيعة (لع) ويكمن هو مختفى وأضى إليه وأقول إنى وصلت كتابك الى القوم وقد أرسلوا معى واحدا منهم يستوثق منك بالايمان والعهود وإنك لا تقصر عنهم إذا قتلوا المختار ويكون لهم عندك المرتبة العليا ويشارك في أمر المختار فاخرج معى وحدك ناحية العسكر فقال إبراهيم نعم الشور والرأى بما قلت قال ثم إن إبراهيم ركب مع الازدي وساروا حتى أشرفا على عسكر عامر بن أبى ربيعة الملعون قال فنظرتها الطلائع فأخذ وهما وعرفوا الازدي ولم يعرفوا إبراهيم فقالوا للازدي، من هذا الرجل الذى ولم يعرفوا إبراهيم فقالوا للازدي: من هذا الرجل الذى معك ؟ فقال احدى بنى عمى فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون هذا عدو الله يعرفني معرفة حقيقية، قال: فمضت الطلائع إلى عامر وقالوا له أيها الامير إن الازدي أرسلته إلى المختار قد جاء ومعه رجل ما نعرفه وهو يزعم إنه ابن عمه قال فقال عامر على بهما فأحضر وهما بين يدى عامر قال: وكان إبراهيم عنه ملثما فنظر إليه عامر فعرفه، فقال عامر: الله اكبر يا إبراهيم أسفر عن وجهك أظننت إنك تخفى على فوالله لا قتلك قتلة شديدة يتحدث بها أهل المشرق والمغرب ثم قال عامر لقوادة: إقبضوا
[ 188 ]
عليه فأحاطوا بإبراهيم وكتفوه وقال على بالسيف ونطع الدم ثم أحضر قواده السيف والنطع قال وكان ذلك مغيب في الشمس قال فقال بعض الحضور أيها الامير تعلم إن إبراهيم هو نصير المختار وهو عمدة عسكره وهذا وقت المساء فإذا كان الغداة آمر بضرب البوقات والطبول وتنادى بالعكسر ليبصر العسكر كلة قتله ابراهيم فإذا قتلته فسر إلى المختار وقبضه قبض اليد والعادة جرت عند الحكام يحبسون شهرا وشهرين وأكثر فكيف وهو سواد الليل فقال عامر: هذا هو الرأى: ثم سلمه الى قواده ووكل به أربعمائة رجل من خواصه وقال لهم: أبصروا كيف تكونون في حراسته وجعلوه في الخيمة وضربوا له في الارض أربعة أوتاد وشدوا يديه الى وتدين ورجليه الى وتدين وفعلوا في الازدي مثل ذلك قال فلما غفت العيون وأطلع الحى القيوم قال بكى الازدي وانتحب فقال إبراهيم: يا هذا الرجل اراك تبكى ! ؟ فقال الازدي لعلمي إننا مقتولون في غداة غد، فقال له إبراهيم ما: ترضى أن تكون في جوار الله تعالى وجوار رسوله صلى الله عليه واله وسلم وجوار أمير المؤمنين عليه السلام وولديه الحسن والحسين وفاطمة الزهراء عليهم السلام فإن قتلونا فإن الله يجمع بيننا وبينهم قال: فلما سمع القائد المتوكل بهم كلام إبراهيم إقشعر جلده وخشع قلبه وقال في نفسه صدق
[ 189 ]
والله إبراهيم ويحك يا نفس وما تقولين في يوم القيامة إذا أوقفوك بين يدى الله ورسوله وما العذر والله لا عاونت ظالما مرق من الدين على أهل الحق فقام القائد من وقته وساعته وقال لابراهيم، هؤلاء المتوكلون بكم نيام واعلم أيها الامير ما كان في هذا العسكر أقسى من قلبى عليكم وقد حصلت لى الرقة عليك من كلامك وأريد طلق سبيلك وهذا الازدي أطلقته فقم، قال فأطلق إبراهيم وقال: يا مولاى خذ سيفى هذا فإنه سيف قاطع وخذ يا ابرايهم لنفسك الحذر وقال فخرج إبراهيم من العسكر وإقتحم البرية مع الازدي قال فلما علم القائد إبراهيم خرج من العسكر صاح باعلى صوته هرب الرجلال ! ! قال فلما سمع عامر الصياح قام وركب فرسه وفى عينيه أثر النوم وتقلد سيفه وصاح في العسكر ويلكم إركبوا في طلب إبراهيم، فركب العسكر جميعهم يطلبون إبراهيم والازدى قال فلما سمع إبراهيم والازدى حوافر الخيل وصياح الرجال قال الازدي الابراهيم أنا أختفى بهذا الرمل فضم الازدي نفسه في الرمل قال إبراهيم: فبقيت متفكرا وما لى ملجا إلا الله تعالى فبينما أنا كذلك إذا لاحت لى شجرة عظيمة فقصدتها فلما وصلت إليها صعدت عليها الى رأسها وسترتي الله تعالى عنهم في أغصانها قال: فأقبل
[ 190 ]
العسكر من يمينى وشمالي وتفرقوا في البرية وبقوا على هذه الحالة حتى حميت الشمس واشتد الحر هذا وإبراهيم مكن في الشجرة وهو آيس من روحه والله عز وجل حجبه عن أعينهم قال إبراهيم: وصار الوقت قريبا من الظهر وقد تشتت العسكر في البرية كل فارس بجانب وقد بعدوا عنى كلهم قال: وإشتد عليهم الحر والتعب ماله الشعور في نفسه فنظرت الى ما ورائه في البرية فلم أر أحدا غيره فتأملته وإذا هو عدو الله ورسوله عامر بن أبى ربيعة الملعون فقلت في نفسي اللهم مكنى من عدو الله ورسوله وأهل بيته فوقف تحت الشجرة وعيناه يحولان في البرية يريد أحدا من أصحابه فلم ير أحدا وكضه العطش قال: فأدار كفل فرسه في الشجرة ووجهه في البرية، قال: فنزل إبراهيم بن مالك الاشتر رحمه الله من رأس الشجرة قال: فطفرت على كفل فرسه فقبضت رقبته ورميته عن ظهر جواده وقعدت على صدره فقبضت لحيته. فقال لى: من أنت يا ويلك ؟ فقلت يا عدو الله ما أعجل ما أنكرتني ! أنا إبراهيم بن مالك الاشتر الذى كنت بالامس تريد قتلى فمكننى الله منك قال فجعلت السيف على حلقه فذبحته وأنا أقول يا لثارات الحسين عليه السلام قال: فأخذت رأسه وأخذت سيفه ورمحه واستويت على ظهر الجواد وكان سابقا من
[ 191 ]
الخيل وأعطيته عناية حتى أتيت الكوفة وكان لى من يوم فارقت الكوفة أربعة أيام وكان المختار قد أنفذ في طلبى وهو يظن إنى قد خرجت مع الازدي الى بعض الضياع قال: فبينما المختار كذلك وكان خارجا الى الحيرة وإذا إبراهيم مقبل ومعه رأس ذلك الملعون فتلقاه المختار (ره) وسلم كل واحد منهما على الاخر فقال المختار أين كنت هذه المدة أيها الامير وما هذا الرأس الذى معك. قال: كنت في عسكر عامر بن أبى ربيعة الملعون وهذا رأسه وقص عليه القصة من أولها الى آخرها، فتعجب المختار منه والعسكر وكيف نصر الله إبراهيم على عامر فقال المختار، يا ابراهيم وما فعل الازدي وما كان منه ؟ فقال الامير عهدي من الازدي لما إندفن في الرمال وما أدرى أي شئ صار عليه. قال فقال ابراهيم للمختار: ما قعودك أيها الامير ؟ قال فأمر المختار فجمع عسكره وركبوا على ظهور خيولهم أربع وعشرون ألف طالبين عسكر عامر ابن أبى ربيعة قال وساروا بقية يومهم وليلتهم حتى أشرفوا على عسكر عامر يموج في البرية عرضا وطولا لانهم فقدوا أميرهم وصار كل واحد يطلب الامارة لنفسه، فجرد المختار سيفه وإبراهيم وعسكر هم ونادوا يا لثارات الحسين عليه السلام وحملوا على القوم فما كان الا ساعة وقد تركوهم كل
[ 192 ]
يخوض بدمه فتفرق وإنهزم عسكر عامر الملعون وأخذ هم سيف المختار واغتموا أموالهم واستأسرور هم وما أطلق منهم أحدا فجمعوا رؤوس القتلى وإذا هي من كثرتها لا تحصى ولا تعد فحملوا بعضها على الرماح وبعضها على الجمال في العدول والجواليق والاموال والخيل وحملوا الجميع الى الكوفة وهم ينادون يا لثارات الحسين عليه السلام قال: فلما وصلوا جلسوا في قصر الامارة وأمر بإحضار من كان في الوقعة من الاسارى وكان فيهم جماعة ممن كان في طلبهم منهم شر حبيل والحصين وجماعة يطول شرحهم فأما الحصين فقال: لله الحمد الذى أمكننى منك ثم قرض لحمه بالمقراض إلى أن مات وأما شرحبيل فإنه كان قد ضرب الحسين عليه السلام على عارضه يوم كربلاء من خلفه، فقال له: الحمد لله الذى أمكننى منك فأمر به، فأحرق بالنار وأما حرملة فلما رآه المختار بكى وقال: يا ويلك أما كفاك ما فعلت حتى قتلت طفلا صغيرا وذبحته بسهمك يا عدو الله أما علمت إنه ولد النبي فامر به، فجعله مرمى، فرماه بالنشاب حتى مات لا رحمه الله ولم يزل يقتل كل واحد منهم بقتلة لا تشبه الاخرى حتى قتل جميع من كان منهم ثم ان المختار جمع الرؤوس وشيئا من مال الغنيمة ووجه به إلى محمد بن الحنفية وكتب له يخبره بما جرى ثم فرق
[ 193 ]
أصحابه وعماله في جميع البلاد وعدل وأنصف. قال أبو مخنف: إن المختار بلغه أن الشمر أخذ من النهب ناقة وفرق لحمها بالكوفة فعمد المختار الى كل دار دخلها من ذلك اللحم شئ فنقضها ولم يبق ممن شهد كربلاء إلا عمر بن سعد وأشعث بن قيس وأخوه محمد فجعل يطلبهم وكان عمر بن سعد قد اختفى بالكوفة فظفر به المختار وأحضره بين يديه وقال له: يا ابن سعد أنت قتلت رضيع الحسين عليه السلام قبحك الله من بين الاخوة لا ذمة النبي حفظت ولاحق الاخوة رعيت والله العظيم لئن لم تنشدني أبياتك النونية لأعذبنك بأشد العذاب فأنشد عمر بن سعد لعنه الله وهو يقول: فوالله ما أدرى وإنى لصادق * أفكر في أمرى على خطرين أأترك ملك الرى والرى منيتى * أم أصبح مأثوما بقتل حسين حسين ابن عمى والحوادث جمة * ولكن لى في الرى قرة عينى يقولون إن الله خالق جنة * ونار وتعذيب وغل يدين فإن صدقوا مما يقولون إننى * أتوب إلى الرحمن من سنتين وإن كذبوا فزنا بدنيا عظيمة * وملك عقيم دائم الحجلين وإن آله العرش يغفر زلتى * ولو كنت فيها إظلم الثقلين ولكنها الدنيا بخير معجل * وما عاقل باع الوجود بدين فقال له المختار: يا ويلك هكذا يكون إعتقاد
[ 194 ]
المسلمين والله لو كنت مسلما على الحقيقة ما فعلت، ثم قال: أريد أن تخبرني عما أسألك عنه ؟ لما وقع الامام على الارض ما كان يقول ؟ فأخبره بما قال حين حدثك إلى أن بلغ إلى قوله ليسلطن عليكم غلاما يسفك دمائكم وأقام في الكوفة ما شاء الله تعالى وعمل أعمالا عظيمة ولم يخل أحدا ممن حضر قتل الحسين عليه السلام إلا قتله قال فلبس المختار نعله ووطأ به وجه ابن زياد الملعون ثم رمى النعل الى مولى له، فقال: خذ هذا النعل واغسله ثم وجه رأس ابن زياد ورؤوس خواصه ورؤوس بنى امية الى محمد بن الحنفية الى المدينة المنورة واتى على بن الحسين عليه السلام يؤمئذ بمكة فكتب المختار (ره). بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد فإنى أنفذت شيعتك وأنصارك إلى أعدائك يطلبون بدم أخيك الشهيد المظلوم فخرجوا محتسبين أسيافهم على أعداء الله ورسوله فلقاهم نصر من الله وفتح قريب فقتلنا هم وفنينا هم عن آخر هم والحمد الله الذى أخذ لكم الثأر وأضرم في عدائكم النار وأشفى صدورنا وصدور كم وصدور قوم مؤمنين وقد وجهت اليك برأس عبيد الله بن زياد الملعون ورؤوس أقاربه وأصحابه وبنى أمية ومن
[ 195 ]
شايع وبايع على قتل سيدنا ومولانا الحسين عليه السلام لعل يبرد غيظك ذلك بين أمرك ونهيك والسلام قال فلما ورد على محمد بن الحنفية وقرأ خر ساجدا شاكرا لله وبنصره أوليائه وهلاك أعدائه قال: إن محمد بن الحنفية وجه برأس عبيد الله بن زياد الى ابن أخيه على بن الحسين عليه السلام قال فأدخل عليه وهو يتغدى فوضعوه بين يديه قال: الحمد لله رب العالمين أنا دخلت على هذا اللعين وأدخل رأس أبى إليه وهو يتغدى فقلت: لا تمتنى حتى أرى رأس ابن زياد الملعون وأنا أتغدى، والحمد الله الذى استجاب دعائي ثم أمر ان يرفعوه إلى الزبير فرفعوه إليه ورفعوه على قصبة فحركها الريح، قال: فسقطت منه حية من تحت لسانه، فأخذت من تحت لسانه فأخذت بأنفه ثم رفعوه على القصبة فحركتها فسقطت أيضا حية أخذت بأنفه وهكذا مرارا عديدة والناس ينظرون إليه ويلعنونه يتعجبون من ذلك ثم امر ابن الزبير أن يلقوه في بعض شعاب مكة. وروى عن منهال بن عمر قال: دخلت على على بن الحسين عليه السلام عند انصرافي من مكة فسلمت عليه فرد عليه السلام. فقال لى: يامنهال ما خبرك بحرملة بن كاهل الاسدي، فقلت له يا مولاى تركته حيا بالكوفة
[ 196 ]
فرفع مولاى على بن الحسين عليه السلام يديه الى السماء ثم قال: اللهم أذقه حر الحديد اللهم أذقه حر النار، قال المنهال ثم دخلت الكوفة وقد ظهر المختار بن أبى عبيدة الثقفى فيها وقتل من قتل وكانت بينى وبينه صداقة فأقمت في منزلي أياما حتى إسترحت من سفري وانقطع الناس عن وركبت وخرجت في طلب المختار فلقيته خارجا في باب داره وسلمت عليه، فرد على السلام فقال لى: يا منهال ما أتيتنا ولا شاهدتنا ولا هنيتنا بما فتح الله على أيدينا ونصرنا على أعداء الله تعالى كنت بمكة وقد جئت الان بيته عليه السلام فقلت يا مولاى إنى كنت بمكة وقد جئت الان قال وسايرته قليلا حتى أتينا الكنائس قال فوقف كأنه ينتظر شيئا وكان قد أخبرني عن حرملة بن كاهل فبعث قوما يفتشون عنه فلم يكن ساعة إلا وجاء قوم يركضون ويقولون له أيها الامير البشارة قد آتيناك بحرملة بن كاهل الاسدي (لع) فلما أحضروه بين يديه وإذا هو مكتوف فلما نظر إليه المختار قال الحمد لله الذى مكنني منك يا عدو الله قال ثم قال ابن الجزار: فحضر الجزار فقال: إقطع يديه ورجليه، فقطعها وهو قضيبا من حديد وجعله في النار حتى إحمر ثم إبيض فوضعه على رقبته قصارت رقبته تجوش من النار وهو يستغيث حتى قطعت رقبته
[ 197 ]
(لع) فعند ذلك قال: المنهال سبجان الله. فقال المختار: يا منهال التسبيح حسن ولكن فيم سبحت ؟ فقال المنهال إعلم أيها الامير إنى دخلت في سفري هذا عند انصرافي من مكة على مولاى على بن الحسين عليه السلام فقال يا منهال ما فعل بحرملة بن كامل الاسدي (لع) فقلت: يا مولاى تركته حيا بالكوفة فرفع، يديه وقال اللهم أدقه حر الحديد اللهم أذقه حر النار، فقال المختار: بالله عليك سمعته يقول هذا الكلام ؟ فقلت: والله سمعت ذلك منه قال فعند ذلك نزل المختار على دابته فصلى ركعتين شكرا وحمد الله طويلا وركب وسرنا راجعين فلما قربنا من دارى قلت له: أيها الامير أحب أن مولاى على بن الحسين عليه السلام دعا منهال أنت تعرف أن مولاى على بن الحسين عليه السلام دعا بثلاث دعوات إستجابها الله على يدى، ثم تأمرني أن آكل وأشرب فهذا يوم أصوم فيه شكرا لله على توفيقه وحسن صنائعه ثم مضى وتركني. والحمد الله رب العالمين هذا، ما إنتهى إلينا من أخذ الثأر على يد المختار بن أبى عبيدة الثقفى وإبراهيم بن مالك الاشتر رحمهم الله ورضوانه عليهما. قال أبو مخنف: وأما مصعب بن الزبير (لع) فنهض
[ 198 ]
وطلب الخلافة وسار حتى دخل البصرة واجتمع معه عسكر عظيم وسار يطلب الكوفة فأعلم المختار بذلك فسار إليه في عسكره ومصعب نازل بنهر الدير فنزل المختار قريبا فأرسل الى المختار (ره) وطلب أن يكون من قبله على الكوفة وسار كل واحد منهما يريد الآخر فالتقيا وجرت الحرب بينهما فنصر معصب ووصل الى الكوفة ودخل الى قصر الامارة فبقى فيه أربعين يوما حتى ذاق به وبأصحابه المختار، فقال لاصحابه أريد أن أخرج إلى هؤلاء فقد شنعني الحصال فأجابه أصحابه فخرج والتقى القوم وقائل قتالا شديدا وحمل عليهم وغاص في أوصالهم فطلبه أصحابه فلم يروه فظنوا أنه قد إنهزم وطلب أصحاب فلم يرهم فظن أنهم قد إنهزموا وبقى وحده فأسند ظهره إلى حائط القصر وقاتل حتى قتل قدس الله روحه ونور ضريحه، وأقام مصعب هنيئة عليه عبد الملك بن مروان فسار مصعب نحوه حتى إلتقيا بالرماحية من سواد دجيل فانتصر عليه ابن عبد الملك فقتله وأخذ رأسه وسار حتى وصل الكوفة وجلس في قصر الامارة، وأحضر رأس مصعب بين يديه في طشت فقال بعض مشايخ الكوفة لا إله إلا الله لقد رأيت عجبا ! فقال عبد الملك: ما الذى رأيت يا شيخ ؟ فقال رأيت رأس الحسين عليه السلام في طشت وقد أحضر بين يدى عبيد الله بن زياد في هذا
---------------------------------------
ريارة عاشوراء بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليك يا أبا عبد الله السلام عليك يابن رسول الله السلام عليك يابن أمير المؤمنين وابن سيد الوصين السلام عليك يابن فاطمة سيدة نساء العالمين السلام عليك يا ثأر الله وابن ثأره والوتر الموتور السلام عليك وعلى الارواح التى حلت بفنائك عليكم منى جميعا سلام الله أبدا ما بقيت وبقى الليل والنهار يا أبا عبد الله. لقد عظمت الرزية وجلت وعظمت المصيبة بك علينا وعلى جميع أهل الاسلام وجلت وعظمت مصيبتك في السماوات على جميع أهل السماوات فلعن الله امة أسست أساس الظلم والجور عليكم أهل البيت ولعن الله أمة دفعتكم عن مقامكم وأزالتكم عن مراتبكم التى رتبكم الله فيها ولعن الله أمة قتلتكم ولعن الله
[ 2 ]
الممهدين لهم بالتمكين من قتالكم برئت إلى الله وإليكم منهم ومن أشيا عهم وأتباعهم وأوليائهم. يا أبا عبد الله إنى سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم إلى يوم القيامة ولعن الله آل زياد وآل مروان ولعن الله بنى امية قاطبة ولعن الله ابن مرجانة ولعن الله عمر بن سعد ولعن الله شمرا ولعن الله امة أسرجت وألجمعت وتنقبت لقتالك بأبى أنت وأمى لقد عظم مصابي بك فأسأل الله الذى أكرم مقامك وأكرمي بك أن يرزقنى طلب ثأرك مع إمام منصور من أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله. اللهم أجعلني عندك وجيها بالحسين عليه السلام في الدنيا والآخرة يا أبا عبد الله إنى أتقرب إلى الله وإلى رسوله وإلى أمير المؤمنين وإلى فاطمة وإلى الحسن وإليك بموالاتك وبالبراءة من أعدائك وممن قاتلك ونصب لك الحرب وبالبراءة ممن أسس أساس ذلك وبنى
[ 3 ]
عليه بنيانه وجرى في ظلمه وجوره عليكم وعلى أشياعكم برئت الى الله وإليكم منهم وأتقرب إلى الله ثم إليكم بموالاتكم وموالاة وليكم وبالبراءة من أعدائكم والناصبين لكم الحرب وبالبراءة من أشياعهم وأتباعهم. إنى سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم وولى لمن والالكم وعدو لمن عاداكم فأسأل الله الذى أكرمنى بمعرفتكم ومعرفة أوليائكم ورزقني البراءة من أعدائكم أن يجعلني معكم في الدنيا والآخرة وأن يثبت لى عند كم قدم صدق في الدنيا والآخرة وأسأله أن يبلغني المقام المحمود لكم عند الله وأن يرزقنى طلب ثأركم مع امام هدى ظاهر ناطق بالحق منكم. وأسال الله بحقكم وبالشان الذى لكم عنده أن يعطينى بمصابي بكم أفضل ما يعطى مصابا بمصيبته مصيبة ما أعظمها وأعظم رزيتها في الاسلام وفى جميع السماوات والارض.
[ 4 ]
أللهم اجعلني في مقامي هذا ممن تناله منك صلوات ورحمة ومغفرة اللهم اجعل محياى محيا محمد وآل محمد ومماتي ممات محمد وآل محمد أللهم إن هذا يوم تبركت به بنو أمية وابن آكلة الأكباد اللعين ابن اللعين على لسانك ولسان نبيك صلى الله عليه وآله في كل موطن وموقف وقف فيه نبيك صلى الله عليه وآله. أللهم العن أبا سفيان ومعاوية ويزيد بن معاوية عليهم منك اللعنة أبد الآبدين وهذا يوم فرحت به آل زياد وآل مروان بقتلهم الحسين صلوات الله عليه أللهم فضاعف عليهم اللعن منك والعذاب الأليم أللهم إنى أتقرب إليك في هذا اليوم وفى موقفي هذا وأيام حياتي بالبراءة منهم واللعنة عليهم وبالموالاة لنبيك وآل نبيك عليه وعليهم السلام (ثم تقول مائة مرة): أللهم العن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد وآخر تابع له على ذلك أللهم العن العصابة التى جاهدت
[ 5 ]
الحسين وشايعت وبايعت وتابعت على قتله أللهم العنهم جميعا (ثم تقول مائة مرة) السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التى حلت بفنائك عليك منى سلام الله أبدا ما بقيت وبقى الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد منى لزيارتكم السلام على الحسين وعلى على بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين (ثم تقول): أللهم خص أنت أول ظالم باللعن منى وأبدأ به أولا ثم العن الثاني والثالث والرابع أللهم العن يزيد خامسا والعن عبيد الله بن زياد وابن مرجانة وعمر بن سعد وشمرا وآل أبى سفيان وآل زيال وآل مروان إلى يوم القيامة (ثم تسجد وتقول) أللهم لك الحمد حمد الشاكرين لك على مصابهم الحمد لله على عظيم رزيتي أللهم ارزقني شفاعة الحسين يوم الورود وثبت لى قدم صدق عندك مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام.
[ 6 ]
زيارة وارث بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله السلام عليك يارواث نوح نبى الله السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله السلام عليك يا وارث موسى كليم الله السلام عليك يا وارث عيسى روح الله السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله السلام عليك يا وارث أمير المؤمنين ولى الله السلام عليك يا وارث الزهراء السلام عليك يابن محمد المصطفى السلام عليك يابن على المرتضى السلام عليك يابن فاطمة الزهراء السلام عليك يابن خديجة الكبرى السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره والوتر الموتور أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكوة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وأطعت الله ورسوله حتى أتاك اليقين فلعن الله أمة قتلتك ولعن الله أمة
[ 7 ]
ظلمتك ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به يا مولاى يا أبا عبد الله أشهد أنك كنت نورا في الاصلاب الشامخة والارحام المطهرة لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها وأشهد أنك من دعائم الدين وأركان المؤمنين وأشهد أنك الإمام البر التقى الرضى الزكي الهادى المهدى وأشهد أن الأئمة من ولدك كلمة التقوى وأعلام الهدى والعرورة الوثقى والحجة على أهل الدنيا وأشهد الله وملائكته وأنبيائه ورسله أنى بكم مؤمن وبإيابكم موقن بشرائع دينى وخواتيم عملي وقلبي لقلبكم سلم وأمري لأمركم متبع صلوات الله عليكم وعلى أرواحكم وعلى أجسادكم وعلى أجساكم وعلى شاهدكم وعلى غائبكم وعلى ظاهركم وعلى باطنكم. ثم قف عند رأس على بن الحسين عليه السلام وقل: السلام عليك يابن رسول الله السلام عليك يابن نبى أهل الدنيا وأشهد الله وملائكته وأنبيائه ورسله أنى بكم مؤمن وبإيابكم موقن بشرائع دينى وخواتيم عملي وقلبي لقلبكم سلم وأمري لأمركم متبع صلوات الله عليكم وعلى أرواحكم وعلى أجسادكم وعلى أجساكم وعلى شاهدكم وعلى غائبكم وعلى ظاهركم وعلى باطنكم. ثم قف عند رأس على بن الحسين عليه السلام وقل: السلام عليك يابن رسول الله السلام عليك يابن نبى الله السلام عليك يابن أمير المؤمنين السلم عليك يابن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين السلام عليك يابن الحسين الشهيد السلام عليك أيها الشهيد وابن الشهيد السلام عليك أيها المظلوم وابن المظلوم لعن الله أمة قتلتك ولعن الله أمة ظلمتك ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به. ثم توجه الله الشهداء وقل: السلام عليكم يا أولياء الله وأحبائه السلام عليكم يا أصفياه الله وأودائه السلام عليكم يا أنصار دين الله السلام عليكم يا أنصار رسول الله السلام عليكم يا أنصار أمير المؤمنين السلام عليكم يا أنصار فاطمة سيدة نساء العالمين السلام عليكم يا أنصار أبى محمد الحسين بن على الزكي الناصح الامين السلام عليكم يا أنصار أبى عبد الله بأبى أنتم وأمى طبتم وطابت الأرض التى فيها دفنتم وفزتم فوزا عظيما فياليتني كنت معكم فأفوز معكم.
+ نوشته شده در ۱۳۹۰/۰۹/۰۹ ساعت توسط محمد
|
قال رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم: وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً إِنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ فِي السَّمَاءِ أَكْبَرُ مِنْهُ فِي الْأَرْضِ فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مِصْبَاحٌ هَادٍ وَ سَفِينَةُ نَجَاةٍوَ إِمَامٌ غَيْرُ وَهْنٍ وَ عِزٌّ وَ فَخْرٌ وَ بَحْرُ عِلْمٍ وَ ذُخْر....